طالبوا.. وما زالوا يطالبون
لم يخلُ زمن قطُّ، من ممارسات ومظاهر العبودية، ولن يخلو أبداً، أما في الأيام الغابرة التي لم تتوغَّل في عمق التاريخ، فقد تمظهرت في الإقطاع الذي سخّر سواد الناس لخدمة سيد مطاع أو جماعة حاكمة، وحتى لزمن قريب ما زالت تتردَّد عبارة أحد الإقطاعيين، لأتباعه بعد أن تجرأوا وطلبوا منه أن يعلِّموا أولادهم، فأجابهم بوجه بشوش يطمئنهم، بأن "ابنه سوف يكمل تعليمه" ثم أردف وقال لهم: لا تقلقوا بشأن أولادكم.. المهمُّ أن تعلِّموهم أصول الفلاحة ورعاية الدواجن والماشية.. أما الابن فسوف يتعلم كيف سيرعاكم ويدجّنكم جيداً..
المهم، خاب ظن أتباع "الإقطاعي" بجوابه لهم، ليتعلم ابنه أفضل تعليم كذلك تعلم كيف يسوسهم، لكن ولحظه العاثر فقد أفل حكم الوالد، وبزغ حكم إقطاعيين جدد، رافقت حكمهم كثرة مطالبات من الأتباع، أولئك أبناء من طلب من الأب، والإجابات هي هي، بوجوه مستبشرة، وكلمات تتكهن وتستشرف لهم المستقبل الواعد بوعود كاذبة، أمَّا ما وراء الوجوه الحاكمة فما مكثت إلا سياسات شياطين العالمين..
تعاقب الإقطاع بصور معدلة!
حتى بات الأتباع الجدد يترحمون على سياسة الإقطاعيين القدامى.. ويتشوقون لتلك الأيام..
هذا كوم، أما أكوام المهزلة، فإن الألقاب الممنوحة للإقطاع ولأهل الحكم السابقين من الأمراء، ما زالت تلازم أحفادهم صوَرَياً، فهم صور يمكن أن نرى في تفاصيلها، ملامح لآباء وأجداد بطشوا وظلموا في كل شبر في البلاد.. كل هذا حدث تحت مباركة ورعاية محتل عثماني غاشم، سخّر آلاف الشباب في حربه الباطلة.. ثم عزّزه محتل فرنسي متشاوف..
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 11 -12، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.