العبودية بين الصورة الموروثة والواقع
لطالما سكنتْ الأذهان مشهدية العبودية المتمثلة بصور جموع غارقين في سواد قدرهم الظاهر على بشرتهم، سواد امتزج ببؤس أيامهم ولعنة أعراقهم، حيث وضعهم لونهم موضع الضعة دون جريرة اقترفوها، سوى انتمائهم لدرجة متدنية بحسب مقياس "بارومتر" ثقافي منحاز بزئبق عقائدي ذي لون أبيض..
تأثير الموروث الراسب في الأنفس:
ولا غنى عن التوضيح، بأن المعتقدات والانطباعات والقناعات والميول المستقرة في الذهن والراسبة في النفس بشأن الأشخاص والأشياء والقضايا، لا تكنسها البراهين والمحاججات المنطقية، مهما كان لها من قوة دليل، وقدرة إقناعية!
إنَّها رواسب تزداد قُوَّتُها كلما طالت مدَّة اعتناقها وتداولها عبر الأجيال، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فحينما ترتبط بمصالح سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية .. فسوف تُراكِم طبقة، يعجز الكنس العابر عن إزالتها، حيث الحاجة لقشطها بأيدي قويَّة، مستعينة بمكشطة التمرّد والرفض، ذلك لمرَّات متتالية تستنفد أزمنة قادمة وتُنهك أيدي أجيال لاحقة.. فنحن حالما نُكوِّن انطباعاً واعتقاداً حيال مسألة ما، يصبح أشبه بمُسلَّمة راسخة، نعبّر عنها قولاً وفعلاً، ونُخلِص لها إيماناً، فيكون من الصعب تبديلها، خاصَّةً إذا كانت تتماشى مع منافعنا وأهوائنا ولذاتنا..
امتيازات ودرجات بغير وجه حق:
ممّا أسفر - لا محالة- ، عن تفاوت الطبقات ومنح امتيازات ودرجات بغير وجه حق .. نلحظ تمظهراتها المفروضة على الساحة الحياتية، إذ تحضر بمعتقداتها وسلوكياتها المستمدة من ثقافات بعيدة ببعد الأزمان الغابرة، حتى بات من الصعب إدراك كل عللها والإحاطة بها، سوى ما يبرز من بعض تداعياتها، المتمثلة في ثقافة وممارسات الظلم والإجحاف والأنانية والتسلَّط بحقِ بشر، لم يكن لديهم أيُّ خيار في أن ولدوا داخل طبقة ما أو بأوضاع معينة، والأنكى من ذلك بأنهم في حياتهم ترافقهم وصمة الدونية دونما انفكاك عنهم!
لم يقتصر الحال على العرق واللون، فقد فرضت ثقافة الحرب والغزو، تكريس وإعمال سلوك السبي، فأضحت النساء أميرات كن أو عاهرات تباع وتشترى في أسواق الجماعة المنتصرة، وتكون تَبعَ وطوعَ سيّدها ومولاها مهما كان رفيعاً أو وضيعاً...
لكل حقبة أسيادها وعبيدها:
هذا ولكل حقبة أسيادها وعبيدها حسب مقتضياتها الدينية والإجتماعية بأبعادها كافة، حتى بتنا في الوقت الراهن لا نلحظ بالعين المجردة ظواهر العبودية العتيقة، وكأنَّها صفحات منسيّة من كتاب تاريخ الغابرين ولّت دون رجعة! وكأنه ما مرّ على مسامع التاريخ قطّ، صراخات ملأت حناجر المستضعفين، تصعّدت إلى السماء وخزنتها غيومها، على حين غفلة من التفسيرات العلمية بحقيقة ما حبست الغيوم! تلك الغفلة التي لم تبيّن لنا بأنَّ ما ينهال من تلك الغيوم الملبَّدة والمكلَّلة بالسواد، ليس إلا دموع المقهورين! قد تراكمت عبر ملايين السنين..
كرسي هزاز:
وفي أمسيات الشتاء المدغدغة لحنين النفس والباعثة لطاقة الحب، نجد سيداً مرهفاً! يجلس على كرسيه الهزاز، يتطلع إلى شرفته وهو مستغرقٌ في نشوته، حالما يشاهد وابلاً ماسياً متساقطاً، حيث استمتاعه بالتدفئة والمنظر، حين يرقب ما يعلق على زجاج نافذته، يحسبه مجرد قطرات ماء!
وبينما هو يتأرجح إذ يعتريه بعض الملل، فيدعوه فضوله إلى المشي بخطوات ثقيلة نحو النافذة، ليأنس بما يهطل، ثم يرفع رأسه إلى السماء، ويتأمل سوادها، ممّا يشعره بالغبطة، فالسماء تحتفظ له بمطر كثير سوف تقذفه طوال ليلته الدافئة، بعدها يستدير نحو كرسيه، تاركاً السماء مرتدية ثوب الحداد.
ولا عزاء للسماء..
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 7 -10، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.