الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية

 



جلسة مداهنة مع سليل حكم بائد



حكي أنَّه في جلسة ضمت مدعي الثقافة والوعي والفهم!

وبينما هم جالسون، كان أكثرهم نفاقاً في حيص وبيص، وفي ارتباك كأنه ينتظر من يريد خطبة ابنته بعدما غرَّر بها! ممّا حدا بأحدهم أن يسأله، وقال له: ما حالك أيها الرجل؟

فرد عليه متلهفاً: لم يتبقَ إلا دقائق ويحضر "فلان الفلاني"، سليل الحكم السابق، ويتابع كلامه مستطرداً في الثرثرة بشأن محاسن صفاته وانجازات أجداده...

ليقطع كلامه فجأة وينادي النادل، ثم يأمره بفرش الطاولة بما لذّ وطاب كُرمى لعيون ابن الأكرمين! وما هي إلا دقائق ويطل "فلان" وهو يرتدي بزة أنيقة قد فصَّلها له خياط طاعن في السن، قضى عمره يفصَّل ملابس (الأبَّهة) للهالك أبيه..

تقدم بخطى تشبه مشية المرأة اللعوب مع الفارق حيث تصنُّعه الاتزان، وها هو يتقرب من الطاولة، يسير برقبته الممشوقة! التي يستطيع الأعشى وبسهولة تقدير أبعادها بدقة! ثم يصل ببركة دعاء الجدة والوالدة المباركتين! دون أن يتعثر أو يصطدم بشيء، فيضرب بيده على الكرسي ويسحبها على مضض، بتلك النظرة المنزعجة والمتعجرفة، كأنه كان ينتظر أن تُسحب له لتتناسب مع وصوله الاستعراضي..

التطبيل للأمجاد الزائفة:

جلس وبدأت جلسة "التطبيل" والمداهنة من الطراز الرفيع، افتتح الكلام في سرد تاريخ الأجداد، والجالسون يهللون ويكبرون ويسبحون بحمد أجداده، ممّا يجعل رقبته تزداد طولاً، وبينما هو يثرثر يقاطعونه، ليأيدوه بحشو كلامي يبيّن مفاخر عائلته ويذكرونهم واحداً واحداً، الجد والأب والجدة والأم.. وكيف كانت اسهاماتهم الوطنية..

والمزعج حقاً ليس كل ما نفثوه من هواء النفاق الذي كاد أن يخنق كل من كان في المكان، لكن أن يصل بهم حال الكذب ويذكرون محاسن جدته وأمه وخصالهما الحميدة. 

فكيف؟! وهم من أين لهم أن يدركوا محاسنهما، وهما كانتا تحتجبان عن أبائهم الغارزين في وحول الحقول..

تضحيات نسائية:

هذا، بمعزل عن أنهما، كانتا سيّدتي التضحيات والوطنية من دون شك، حيث كانت الجدة تضحي من أجل آبائهم فوق سرير خليفة المسلمين التركي، حيث حجب محاسنها ومفاتنها الباب العالي! لكن ثقب الباب لم ينتبه إلى عين الحقيقة التي كانت مستمتعة بالأحداث! وهي تتلصص عليهما، وترى كيف تكون خدمة الدين والدنيا! كما يجب أن تكون!!

أعلم بأن هناك من سيمتعض ويستميت دفاعاً عن التركي، ممّا يدعوني بأن أقول له: "اعتذارات أفندم"!!! - أقولها ساخراً- ولا مانع أن أضيف اعتذاراً للمحتل الفرنسي، فالفرنسي المحتل كان بعيداً عن الفرنسيات صاحبات القوام الممشوق، والمفاتن التي تدعو ناظرها إلى خيالات عجيبة وغريبة! وتلك الشعور الذهبية المتلألأة والمنسابة تداعب الصدور البارزة، والوجوه التي تضيء ليلاً من شدة وهجها، وسحر العيون وما أدراكم ما للعيون من تأثير يؤجّج جذوة الغرائز والرغبات، لتكتمل لوحة المبدع المصوّر، بشفاه لا داعي لذكر مدى إثارتها، لأنأى بنفسي عن ذنوب إضافية!!

أفبعد كل معاناة هذا الفرنسي في بلادنا، حيث غربته، وما يبذل من متاعب لنصرة فرنسا الحبيبة!! أتريدون منه أن يبقى هكذا، تحت وطأة التوتر وشدّ الأعصاب؟؟!! دون أن يقضي لحظات استرواح وتفريغ..

فإن أرتدهم له هذا الحال، فإن أم سليل الحكم البائد ذاك متصدر جلسة التطبيل، ما رضيت له ذلك، بدافع إنساني بحت، فوهبت نفسها وجسدها لكبار المحتلين، لغاية منها بضمان استمرار حكم الزوج الحبيب، وضمان تسخير مئات البشر في خدمة العائلة الحاكمة، بعد أن رقت لحالهم، فمن أين سيجدون كسرة الخبز التي تُرمى إليهم، في حال ذهاب حكمهم!


من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 13 -61، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق