التعبّد في محراب الموروث الاجتماعي
لا يرث الإنسان المال فحسب، إنما يرث من أسلافه تركتهم المعنوية، كالعادات والتقاليد والأعراف وعناصر ثقافية أخرى، يرث كل هذا ويسعى للحفاظ عليه دونما تهاون أو استخفاف، وإن ضيّع مالأً ورثه، فإنه يقبض على ميراث أجداده، فهو الامتداد النفسي والإجتماعي لسيرة الأولين، أولئك المدفونون بأعمق مكان داخل نفسه..
ما بين الحداثة والحنين إلى الجذور:
فتراه يعيش حياته بشكل يواكب الحداثة والتقدم والعصرنة، لكنّه بين حين وآخر يزور أمواته ويحي ذكراهم، حيث إخلاصه لهم ولإرثهم، ممّا يدفعه لتكريس تعاليمهم في سلوكياته وتعاملاته المواكبة للحداثة، بمعنى أنه عبد لمخلفات الأسلاف المترسبة بداخله، إذ يبدو ذلك جلياً عندما تجد شخصاً ذا مكانة إجتماعية رفيعة، وحاصل على أعلى الدرجات العلمية ويسكن في منطقة راقية، ثم يتعرض لموقف ما، كأن يذم أحدهم سلوك أهل قريته مثلاً أو ينال من ثقافة قومه، فنرى الغرائب منه.. متمظهرة بردات فعل بدائية، بغية الدفاع عن عقيدة وسلوك قومه..
أو إذا كان ممن يؤمنون بثقافة الثأر مثلاً، أو عقيدة أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فالنصرة عنده تعني في كلتا الحالتين، التحيّز لصالح الأخ والدفاع عنه! مهما كان صنيعه الإجرامي...
ذاك الأستاذ!!
ذات مرة كنت في صدد دراسة تخصص إداري، وكان هناك أستاذٌ ينتمي لعائلة كبيرة، تُصنف كعائلة ممتدة، ذات جذور عشائرية، هذا الأستاذ اتسم طوال فترة تدريسه بالدماثة وحُسن الخُلق واللطافة ظاهراً، ومع كل يوم كانت تزداد دهشتي بشأنه، وأقول في نفسي، ما لهذا الأستاذ، وكيف به لا يشابه أبناء عائلته، حيث منطقهم البدائي والبربري في مجال تواجدهم.
فأخذتْ تخامرني التساؤلات، أمعقول أن التحصيل العلمي ومعاشرة أصناف بشر مختلفين عن أبناء جلدته، قد أثروا على تصرفاته؟ أو ربما يكون قد عاش في بيئة مغايرة، تكون خارج البلاد مثلاً، خصوصاً وأن هيئته وملامحه لا تدل على انتمائه إلى جماعة العرب أصلاً، لكن في قرارة نفسي لم أكن مرتاحاً بشأنه..
وكنت على يقين بأن في الأمر خفايا وخبايا، وأنا أتابع غرقه في تصرفاته المتحضرة!! من كثب..
إلى أن جاء اليوم الموعود، ونحن نستمع لدرسه المشوّق، حيث ابتسامته التي لم تغادره، ومزاحه مع هذا وتلك، وإذ بهاتفه يرن، أمسك به برفق، ثم استأذن لكي يرد على المكالمة، أومأنا له باحترام طبعاً... فقال بحنو: "ألو أخي"، بلهجة بعيدة عن لهجة قومه!
مضت ثوانٍ، تغيّر خلالها لون وجهه إلى الأحمر القاني، وصار جسمه يتخبط، كأن أحداً رمى به في حفرة من جمر، ثم قال بلهجة قومه الأصيلة: كيف يتجرأ هذا الكذا والكذا أن يطلق النار على أخي - ويقصد حيواناً آخرٌ غير المتحدث - ثم أقسم أن يفعل ويفعل وأخذ يتوعّد، مع بعض الشتائم وعبارات الكفر!!
فكان أول كلامه ذكر خالقه وآخره الكفر به..
بعدها انصرف كالمجنون من المكان، حيث ذهابه لإلقاء درس مشوّق أكثر في مكان آخر، يجب أن يلقنه لمن أطلق النار على أخيه... ذاك الأخ الذي لا يَبعد أن يكون هو المعتدي والمجرم، فهل أتته هذه الرصاصة وهو ينأى بنفسه عن افتعال المشاكل والتعدي على فلان وعلّان، وممارسة أفعال العنف وفرض الإتاوات وتجارة المخدرات، حتى بتنا لا نلحظ مِن بينهم مَن يموت على فراشه إلا نادراً، فميتة الفراش لا تليق "بعتنرياته"! ولا يرضى إلا أن يموت مقتولاً.. فالقتل عندهم عادة... بعد أن مالوا للجريمة حباً وهياماً، وهم يبرّرون حبهم هذا، بعبارات المؤامرة عليهم، فواعجبي..
هنا بطَل العجب، وأدركتُ أنه كان يرتدي قناع التحضر، الذي شكلته ماكينة النفاق الاجتماعي، بمعزل عن إحساسي بأنه يرتديه، عندما صادفته أول محاضراته..
سخافة بعض الموروث:
فكم من تصرفات ومقولات ومعتقدات، منتشرة في مجتمعنا وتحظى بقبول جمعي، لا نعلم كيف نشأت، لكننا نعرف كيف استمرت، حيث تداولها بين الأجيال..
وبمعزل عن تفاهة وسخافة هذه الموروثات، إلا أن معظم الناس تحترمها وتتمسك بها، فغير مستغرب بالمرّة أن نجد على باب أستاذ جامعي تلك الكف التي تحجب الحسد مثلاً، أو تلك العجينة التي تلصقها العروس فوق مدخل منزلها، ثم بعد حين تفتح الباب وتمد يدها لتناول من ينتظر بالباب تلك الخرقة البيضاء ذات بقعة الشرف الحمراء.. يأخذها.. ثم ينصرف مسروراً عنها تاركها تستمع مع زوجها، ذلك الذي منحه شهادة الشرف.
وهناك فيض من موروثات عتيقة تفوق اعتقادهم السماوي! فهم ليسوا
إلا حقائب حملت موروثات أجدادهم، يضيفون إليها بعض الأغراض الثقافية بين زمن وآخر،
لكن الحنين يبقى لأغراض الأسلاف!!
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 46 -50،
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.