تعبّد
النساء في محراب الذكور
اضطرابات الثقافة ذكورية!
تحت تأثير الخضوع لهيبة البنية الثقافية المهيمنة داخل المجتمع، والتي قضت أن تكون السلطة بيد الرجل على اختلاف المكانات والأدوار التي يشغلها، بدءاً من مؤسسة الأسرة - جد أو أب أو أخ أو عم أو خال ... - وصولاً إلى مؤسسة الزواج..
وهذه السلطة مدعمة بأسس تساندها كالدور الاقتصادي، المتمثّل بالإنفاق على الأنثى، ممّا يضمن للذكر القوة، ويجعلها تابعة له.. كما كانت تجلس وحدها في الكهف لحين عودته بصيد ثمين!
إذ تكمن المفارقة، تلك التي تثير ضحكاتي، إن افترضنا بأنها هي من تُنفق، فكيف سيكون الحال؟!
حينها، لرأينا الجمعيات المطالبة بحقوق الرجال في كل شارع، وهذا حاصل بشكل أو بآخر عند حالات كثيرة، فعندما تكون الأثنى أو المرأة هي المعيلة، نرى كيف تقبض على السلطة وتصبح بيدها، التي قد تصل إلى حد التسلّط أحياناً، حيث تكون كلمة الذكر محسوبة بعدد ما يأخذه منها من نقود! كما وتُذلل أمامها العقبات والضوابط الأسرية! بعدما كانت جداراً عالياً وقت مدّ يدها لأخذ النقود منهم!
كذلك يكون التغافل عن تصرفات كثيرة تصدر عنها، لم يكونوا ليقبلوا بعُشرِها لو كانت تحت كنف محفظتهم!
فذاك الأب الذي يرى ابنته وهي ترتدي ملابس مثيرة ومحركة للغرائز، ينخفض في جسمه "فجأة" هرمون الشرف والغيرة، فتراه يشيح بوجه عنها، عند ذهابها إلى عملها، المهم أن ينظر إليها بعين الرضا ويربّت على كتفها، وهي تناوله بعض ورقات من راتبها، تلك الورقات المكتوب عليها تعويذة تبطل سحر أبائه الذكور..
أما الأزواج فحدث ولا حرج.. حينها يتباهون بزوجاتهم العاملات، في ظل كتمانهم لِما يتعرضون له خلف الأبواب المؤصدة، من ممارسة تسلّط زوجاتهم عليهم، سواء أكان معنوياً أم جسدياً!
وفجأة ينسون ما تربوا عليه، ولا يذكرون غير المساواة وحقوق المرأة، فتراهم يصرّحون بتقديرهم لإسهاماتها الجليلة في معاونة الذكر، ولا يهمهم سلطتهم التي تتقلص داخل منازلهم..
فلِمَ لا؟! إنه تقاسم السلطة التي تدفع ثمنه! الثمن الذي يبدلهم من ذكور أفظاظ إلى ذكور غاية في الوداعة، حيث تشاركهم زوجاتهم في تفاصيل الحياة الأسرية أكثر من ذي قبل، فسبحان مغيّر الأحوال الذكورية.. وسبحان من جعل أعينهم كليلة عن ملاحظة الكثير الكثير..
أُشدد على أن الأمثلة المذكورة هي حاصلة في مجتمعنا، ولا أُعمم، فهناك نساء يعملن ولا يسعين إلى ممارسة التسلّط أو تسخير ميزة الدخل ضد الرجل، كما إن هناك من الرجال من يدفعون بناتهم أو زوجاتهم للعمل وتحقيق الذات، دون التطلّع إلى ما سوف يتأتى من نقود أو مصلحة منهن، بل على العكس تماماَ، ينظر ذلك الرجل إليها كامرأة تريد تحقيق استقلالية لنفسها، ولا يشغل باله بأمر مالها، وبأمر ما ستحققه..
هذا هو حال من يثق بنفسه، بعدما يصل إلى درجة عالية من النضوج العقلي والعاطفي، إذ لا يخشى من مفارقٍ له، أياً كان.. سواء حقق هذا الآخر استقلالية أم لا..
فمن يمتلك ذلك الوعي.. يكون مستقلاً بذاته عن الغير بشكل كبير، في ظل اكتفائه عن الحاجة إليهم، تلك الحاجة التي يسبقها استجداء أو نقيصة أو تعاطف..
حلول أنثوية انقاذية!!
كذلك من مظاهر الخضوع، ما يلحق بالمرأة من قيود مفروضة، مانعة من قيامها بأفعال وتصرفات محرّمة عليها، في قِبال إباحتها لجنس الرجال، ما يؤدي إلى إحساسها بالظلم والدونية، فيتولّد لديها الدافع إلى التحرر والانعتاق، هذا الكبت الذي تعاني منه، يُسفر لا محالة عن انفجار في أغلب الأوقات، يكون بمثابة كفر بالدين الذكوري الموروث منذ الآف السنين، ويحدث أن يصل بها الحال إلى الارتداد وشق عصا جماعة الذكور!
كما ويحصل أن تعقد العزم على الإيمان باتفاقيات ومعاهدات دولية، ترمي إلى جعلها تتعبّد في معبد رب العمل والحرية المتفلتة، ممّا يجعلها تمارس طقوس التسلّع والجذب وقراءة أدعية الإغراء والميوعة، بعد أن تهب جسدها كقربان للحرية والمساواة...
إلى غير ذلك من الأمور التي تجعلها في عبودية أخرى أشد من عبوديتها المفروضة عليها!! فتخرج من العبودية الذكورية القديمة، وتدخل في عبودية ذكور متحصرين!!
فالفتاة في بيت أهلها تكون تحت وصاية الذكور وتمتثل لهم، بما يشبه العبودية، لكنها عبودية تحمل مسميات قيَمية، ممّا يحدو بها أن تعزم على الزواج ظانة بأن في ذلك الخلاص، لكنها تتفاجأ بنفس الذكر التي خلّفته في منزل أهلها، آخذاً في ممارسة سلطة من خلّفتهم مجتمعين، فلا يمكنها أن تتملص من سلطته، إلا بعد لأي، إن استطاعت ترويضه، أو الخلاص منه بالطلاق أو بممارسات أخرى...
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 51 -55،
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.