الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية

 


ما وراء سياسات التحضر بشأن العبودية


أعلنتْ سياسات التقدم والتحضر عن مرحتلها الجديدة، حيث داست بمكينات الثورة الصناعية المهولة على كل أشكال العبودية السابقة "باركها الله"! لكن للأسف لم يباركها طويلاً! حسب ظني، والعلم عنده تعالى، ليس لأنهم لم يعبأوا برضى أو بسخط منه! وأعلنوا عن موته - حسب قولهم -، وولادة العلم الحديث، حيث انتهاء عصر السحر والدين كما زعموا ..

لكن الله بحسب ظني به، ما أغضبه كفرهم وتعنتهم بقدر ما أغضبه، ما أرست هذه السياسات من مفاهيم وممارسات تخطت بدرجة كبيرة ما كان سائداً من مظاهر العبودية أيام السحر والدين، فقد أخفوا مظاهرها الصارخة والرثة، بأخرى نظيفة ظاهراً ومستترة بقذارات بين طيات كل تفصيلة في ثوب حياة العبيد الجدد، الذين زاد عددهم بشكل مخيف، فتغيّر مسمّى العبد إلى عامل وموظف ومستهلك، لتستمر تباعاً في إضفاء مسميات لينة تراعي المرحلة الجديدة.

عبودية تناسب التحضر!

فصار لأسياد العالم ما أرادوا.. بعد أن طوت يد التحضر الناعمة صفحة العبودية ذات الورقة البالية المتهتكة، وأخذتْ تقلّب مع الزمن تلك الصفحات الفاخرة والمزركشة من كتاب التحضر، التي سطرت ما سيكون عليه العالم الجديد...

صفحات جعلت من البشر عبيداً لأسياد ولأشياءَ ماديَّة ومعنوية. فما كان منهم إلا أن ستروا جسد العبودية المتشقق بغلالة التحضر الخداعة..

دخلنا في مرحلة جديدة من العبودية، بممارسات أخرى كثيرة! في حالة من غفلة العبيد الجدد بأنهم غارقون في العبودية، وهم يعتقدون بأنهم أصبحوا أحراراً!!

فأضحت العبودية ماثلة في تفاصيل حياتنا اليومية، بل وتخلَّلت خيوطها نسيج ثوبها، حتى آل ذاك المتمرد على العبودية الحديثة عارياً مستقبحاً متخلفاً عن الركب الحضاري، ولا يساير ما عليه الناس..

مظاهر العبودية:

لتتجلى مظاهرها من خلال تفاعلات مباشرة وملموسة بين طرفين، خاضع ومخضوع له، كربّ العمل والأجير، الأستاذ والطالب، المعنِف والضحية، المدخن والسيجارة، المقامر وطاولة القمار، السكير والخمر، المدمن والمخدرات، العاشق للمعشوق، الزوج وزوجته، الزوجة وزوجها، المستهلك والسلعة، الفرد والمظاهر (بيت فخم- سيارة فارهة- الإقدام على شراء ملابس وساعات وهواتف وغيرها من أغلى الماركات وأشهرها للإرتقاء إلى مرتبة عبيد أعلى) ...

كذلك، عبودية الفرد، للعالم الافتراضي - الزعيم السياسي - الجماعة أو الحزب الذي ينتمي إليه - الموروث الاجتماعي، حيث يكون التفاعل بارزاً والطاعة تكون ملحوظة وولاء التابع يكون شديداً، وهذا مرّده إلى عوامل عديدة ومنها، المنفعة المباشرة أو العواقب المباشرة التي قد تضر به، كالصبر على رب العمل خوفاً من خسارة الوظيفة، أو عدم قدرة الشخص على التخلي عن إدمانه وتعلقة بشخص أو بشيء ما، في حالة من ربط نفسي وإجتماعي يصعب الإنفكاك منه...

إلى غير ذلك من مظاهر العبودية الكثيرة في حياتنا..

بخلاف عبودية الفرد لخالقه مثلاً، فهي كما يبيّن الواقع، عبودية غير مباشرة ومتهاونة، بعد أن ظنت الأغلبية بأن القرب الذي يتجاوز حبل الوريد وهمٌ، بعدما تلمسوا رقابهم فلم يشعروا بذلك القرب!!


من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 25 -28، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق