الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية


 

عبودية المال


أكاد أُجزم ولا أغالي إن قلت بأن عبادة المال دين الأكثرية الساحقة عبر الأزمان، الذين تخلَّلت طينتهم الطمع والجشع والأنانية السلبية، فتصدرت هذه العبودية سائر الأديان السماوية والوضعية! حيث تستمد عبودية المال سطوتها وقوتها من إخلاص اتباعها، وقلّة من يكفرون بها، فلِم لا؟! فقلوبهم متعلقة بالمال، وعقلولهم لا تمل من عده! ونفوسهم بكل الأحوال طامحة إليه..

والمال يساوي القوة والسيطرة بلا ريب، فما أن يمسك الفرد بورقه أو معدنه حتى يتسرب لداخله شعاع يخترق كل جسده ويفعمه بتلك القوة والهيبة، التي بدورها تؤثر لا محالة على من حوله، إنَّهم الضفعاء أولئك الذين لا يملكون المال! وزد على القوة والهيبة التي تنسدل على أصحاب الأموال، قوة أخرى قادرة على تذويب الفوارق الذهنية والخُلقية لصالح الغني، كذلك قدرة المال على طمس أي مثالب وهفوات يقترفها صاحبها، ويكفي أن نعلم بأن من يحكم العالم أكثر الناس مالاً لا عدلاً..

ومن المفارقات العجيبة، التي تدفع بالمرء إلى أن يحكَّ رأسه مطوَّلاً، حيث تناقداتها! ذلك بعد أن يشاهد احترام وتقديس الناس لذوي الأموال والتودّد إليهم.. مهما بلغ ذلك الغني من سوء الخُلق ومهما انغمس في بحر الرذيلة، فهم يتحلقون حوله بحلقات صوفية يرجون مدده..

بصرف النظر عن علمهم بأنهم مكشوفون إليه، فهو يعلم بما يختلج في صدورهم من نوايا خبيثة وأمراض الفقر، وإذ به ينظر إليهم باشمئزاز وقرف، حين يتأملهم وهم يلتهمون فتات طعام فوق مائدته، وبين كل لقمة وأخرى يدعون له بدوام الحال، إلا أنه حين يدقق في أعينهم يرى ما وراءها وينفذ إلى صدورهم، فيبتسم ابتسامة الواعي لهم، عندما يتواجه نظره مع نظرهم، فيرى كيف تتلصص نظرات الحقد والحسد والكره المتوارية خلف سواد بؤبؤ أعينهم، فهو الثقب الكاشف لحقيقتهم..


من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 29 -30، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق