الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية

 


 

التعبّد في محراب العالم الافتراضي


إلى جانب الواقع الحقيقي، أوجدوا لنا عالماً افتراضياً، وجعلوا الدخول إليه، عبر بوابات تفتح بيسر بمجرد تلمس الهواتف أو النقر على أجهزة الكومبيوتر، فصارت هذه الأجهزة الوسيط بين العالمين، بل كاد أن يُطمس الواقع الحقيقي في فضاء الافتراضي عند بعض المدمنين عليه، حيث قضاء ساعاتهم في محراب عالمهم المحبب، قد دفعهم إلى ذلك ثغرات نفسية واجتماعية، فما هم إلا متعبدون في محاريب وسائل التكنولوجيا، التي غدت أقرب إليهم من حبل الوريد، فأخلصوا لها العبادة..

الكبت وأثره!

هم آمنوا بضرورة تفريغ كبتهم، بعدما حرّمت عليهم عبودية الموروث الاجتماعي تفريغه في واقعهم الحقيقي، فوجدوا في عالمهم الجديد، ضعف سلطانها وقدرتها! فلاذوا بالعالم الافتراضي يمارسون بفضائه كفرهم ببعض تعاليم الموروث الاجتماعي، وكأنهم ما صدّقوا أن وجدوا حيّزاً يسعون فيه لاشباع حاجاتهم وتلبية رغباتهم المادية والمعنوية، ذلك يكون من وراء ستار عن واقعهم المجتمعي.

فذاك الذي يخشى التقرّب إلى النساء، يصبح "رشدي أباظة" على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يخشى أن يجاهر برأيه أمام الناس، تذوب رهبته من ذلك، عندما نرى منشوراته التي نستشعر منها بأنه قد خاض ثورات وانقلابات.. وتلك التي تحترس في نمط لباسها في محيطها، تتعمد إظهار عريها على مواقع التواصل، وتنشر ما يثير لعاب اللاهثين وراء الشاشات..

كذلك شُرّعتْ أبواب العالم الافتراضي أمامهم التعبير شبه المطلق، إلا ما يتعارض مع سياساتها، التي لا تتعارض مع الانحطاط الأخلاقي والضوابط الموروثة، فانهالت في إثر هذا الفتح ملايين المنشورات التافهة وغير الأخلاقية، التي كفرت بتعاليم واقعهم الحقيقي..

لا ازدواجية... كان نفاقاً فقط:

فغدوا في ظاهر الأمر، في ازدواجية وتخبط، بين عالمين.. ودانوا بالطاعة لعبوديتين متعارضين، وهذا من عجيب الأمور.. فهل ما نلحظه من اجتماع متناقضات في سلوكياتهم، حالما نقارن تصرفاتهم في عالمهم الواقعي والافتراضي! يعكس من هم في كلا الحالين..

إن ما نلحظه، هو تصرفات حقيقية وأخرى سرابية، لكن في حقيقة الأمر هم آمنوا بسلوك واحد لا نقيض له، وكان إظهارهم لنقيضه، إظهاراً أُجبروا عليه، منعاً من سخط مشرعي عبودية الموروث الاجتماعي المتمثل بالخوف من نفيهم في مجالهم الحقيقي، حالما يقومون ويمارسون تصرفات محرّمة مجتمعياً..

ومن باب الإنصاف، فنحن ندين للعالم الافتراضي، بعارفته تلك التي كشفت المستور، حيث كشفت حقيقة عباد أضمروا كفرهم حيال بعض تعاليم عبودية الموروث الاجتماعي، وما كانت طقوسهم في عالمهم الحقيقي إلا "تقية"، خلعوها عنهم عند عتبة عالمهم الافتراضي!

 

من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 60 -62، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق