التعبّد في محراب المظاهر والاستهلاك
هذه العبودية ذات صلة وثيقة مع عبودية المال، وتعد من أبرز مصاديقها، كذلك من طقوسها وشعائرها، ومن يعظم شعائرها فكثر، حتى بتنا نحيا حب المظاهر وكثرة الاستهلاك المفروض في حياتنا اليومية..
ذلك بعد أن فرضت تعاليم التحضر، وجوب واستحباب الاستهلاك، وجعلت من العبد المحب للمظاهر، محبباً لديها، إذ بذلك ينال رضا المشرّع الإقتصادي، ممّا حدا بسواد المتعبدين إلى إقامة الشعائر والإكثار من الطقوس الشرائية، تلك المتمثلة، بامتلاك سيارة فارهة ومنزل فخم، علاوة على إقحام خزانة ملابسهم بقطع قماشية تواكب اجتهاد فقهاء التقدم عند إصدار فتاوى الموضة في كل سنة، حيث يدفعون أثماناً تفوق بكثير تكلفة تصنيعها مع هامش ربح منطقي، فلا عجب من ذلك، إنهم يدفعونها كقرابين لأسياد العالم لدعم معابدهم ذات اللافتات المبهرة، وذات هيبة العلامة التجارية المقدسة...
والفقير من العباد لا يكترث لقلّة ذات يده، فهو يستدين لشراء هاتف يفوق ثمنه أضعاف راتبه الشهري، المهم أن يظهر أمام سائر من يعبدون المظاهر، بتلك الهيئة التي تجعله مرحباً به في زمرتهم! ولا ينسى ذلك العبد أن يستدين فوق ما يثقله من ديون، لكي يشتري لباساً يليق به، ثم حذاءً يمشي به باختيال، أمام فقراء آخرين يضارعونه في عبادة المظاهر والاستهلاك..
طقوس الإسراف:
كما وامتدت هذه العبودية إلى معظم الناس واستقرت في أذهانهم حباً، فغدت لا تنفك عن سلوكياتهم، فصار مذهبهم الإسراف في الاستهلاك، وهم آخذون في شراء مختلف أصناف الأطمعة والأشربة، يفرشونها على سُفرهم، وقبل أن يتناولوها، تلتهمها كاميراتهم، لتتقيأها في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا لا بد أن أشير إلى تداخل العبوديات، حيث تجتمع عبودية المال مع عبودية المظاهر والاستهلاك مع عبودية العالم الافتراضي بنسبة لكل منها، وهذا التداخل حاصل في السلوكيات اليومية..
فلعمري، إن قدرتَ، فـ "أنت أنت"..
أما مراسم الزواج، فحدث ولا حرج، حيث خروجها عمّا فرضته تعاليم عبودية الموروث الإجتماعي، وارتدادها عنها، حتى غدت من أبرز مصاديق عبودية المظاهر والاستهلاك، فبات الزواج حدثاً استعراضياً، ففي مراسمه المظاهر بل وكل المظاهر، حيث القاعة التي تبلغ تكلفتها تكبد عناء عبودية سنوات في محراب العمل، تلك القاعة التي تضم عشرات بل ومئات من الناس الذين يرفعون أجسامهم بعزم من أصابع أقدامهم، لإيجاد ثغرة أو هفوة، تكون محط تندرهم لأيامهم المقبلة، فيلزم أن تحرص العروس على أن ترتدي فستاناً من أغلى الماركات، أما الزوج فلا يجب أن تقل بدلته عمّا يظهر به أبطال أفلام الشاشة الغربية..
وعلى الطاولات حبذا لو تفترش بما لذ وطاب من ألوان وأصناف الطعام، والإسراف محمود في ذلك، بل ومن حُسن البلاء أن تفوق كميات الطعام عدد من حضر بكثير!! حتى لو اضطروا إلى رمي معظمه، فلا مشكلة عند العروسين، إلا أن المشكلة تكون عند من التهموا منه وقت الفرحة الكبيرة! فبعد حشو البطون يترامون على مقاعدهم، ويأخذون في ذم ذاك الزوج المبذر!
لكن الأغرب من ذلك، عدم إعجابهم إن اقتصد وكان الطعام يكفي من حضر.. فسيكون الزوج حديث الساعة حول ما ستعانيه العروس المسكينة مع الزوج البخيل.. بكل الأحوال الناس لا يعجبها العجب.
أما أنت أيها الشاب فإذا استطعتَ تقديم ما يلزم من قرابين الزواج، التي ابتلتك بها عبودية المظاهر، فلعمري، إن قدرتَ، فـ "أنت أنت"..
ودع عنك كفرك بها، لئلا يحيق بك غضب القفص الذهبي، وتحل عليك لعنة الرجعية، لتبقى عازباً منبوذاً..
أما خلال سيرورة الزواج، فالعجب العجب، من تعاليم تفرضها عبودية الاستهلاك والمظاهر، حيث يلزم أن يتبدل أثاث المنزل حينما يتبدل عند الجارة أو عند إحدى قريبات الزوجة، من منطلق لا أحد أفضل من أحد! لئلا تكون نقيصة للزوجة أمام صديقاتها.. يضاف إلى ذلك ما يلزم من مظاهر يجب الظهور بها، وسلع ومقتنيات واجب امتلاكها، تواكب سنن التحضر المتجدّدة.. وعلى شرائها فليتنافس المتنافسون..
والتعليم حدث ولا حرج:
وبات أمر التعليم لِما له من الأهمية في المجتمع، مظهراً من مظاهر التشاوف الإجتماعي، فخف التركيز على الجوهر، وانصبَّ الاهتمام على العَرَض، فلا يَحسن لسليل من تعلّموا الرهن بلغات أرباب العالم، أن يتعلّم أولادهم في مدارس لا تتناسب مع مستوى دينهم الجديد، حتى لا تكون نقيصة ودونية تلتصق بهم، وعليه فإنهم يدفعون جنى عبوديتهم سنة كاملة في محراب العمل، لسدّ تكاليف تعليم سنة أولادكم الدراسية، المهم أن يشار إليهم بالبنان، بأنهم قد ألحقوا أولادهم بالمدرسة الفلانية، ثم ونِعم التصرف إن أكمل الأولاد تعليمهم بالجامعة العلّانية صاحبة الصيت الذائع، تلك التي لا تختلف كثيراً عن جامعة الدولة، إلا في بعض المظاهر البراقة!
إلى غير ذلك من مظاهر العبودية الحديثة...
وتستمر
العبودية، والسلام.
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 63 -67،
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.