التعبّد المَرَضي في محراب الأشخاص
والتعبّد المَرَضي في محراب الأشخاص، ذلك المتمظهر في الصداقة والعشق وغيرهما، فهذه الحالة من التعلّق يمكن أن أُطلق عليها عبارة العبودية أيضاً، إذا كانت متمثلة بتعلق طرف بآخر، يتفاعلان خلالها بسيطرة أحدهما، الذي يأخذ دون رد! إلا قليلاً.. تماماً كحال العابد المتنسّك الذي يقدم القرابين ويمارس الطقوس ابتغاء مرضاة من يعبد، مع الفارق، بأنه لا يجد في هذه الحالة ما يُرضي توقعاته من رضى المعبود!
في هذه العبودية للطرف الأقوى أو المسيطر، نرى بأن ذلك التعلّق المرَضي يمكن أن يودي بصاحبه إلى التهلكة في كثير من الأحيان! بعد أن يجد بأن كل تقديماته لا تُقابل ما يرتجيه من الآخر، وما يتوقع منه، فيشعر كمن وعد نفسه بدخول الجنة بعد تكبده عناء العبادة، وإذ بيد تلقي به في جحيم نفسه، فيحترق قهراً وغيظاً، فما كانت عبوديته تلك إلا لطرف انتهازي، استغل ثغراته النفسية التي دفعته إلى الإسراف في العطاء، لاشباع فجوات في داخله..
دوافع نفسية حاكمة:
وقليل من الناس من يدرك هذه المسألة، ويعرف كيف يتعامل معها، ومع إلحاح دوافعها حالما يواجه من تشرأب له غرائزه ورغباته، التي تجعله يجنح نحوه بطيش وتهور! فيندفع بكل قوة ويقدم كل شيء، غير دارٍ بما سوف يؤول إليه، وغير دارٍ بطبيعة الدوافع المحركة! التي تجعله أشبه بالمنوَّم مغنطيسياً..
فلا خضوع ينتج إلا عن اختلالات نفسية ومرضية، بالنسبة للرجل وللمرأة، تلك التي يمكن أن تنزع عنها كرامتها وتطرحها أرضاً، وتفعل ما لا تفعله العاهرة بغية الوصول والمحافظة على رجل أسَرَها وتعلقتْ به، ذاك الذي تملّك نفسها وعقلها وسلبها إرادتها، مهما كان وضيعاً أو رفيعاً، حتى لا يَبعد أن تصل لمغبة الجنون إن تخلى عنها، بعدما تتقن الصبر كأيوب وتتحمل كل ما يفعله بها.. بغية استمتاعها الباطني بما تتعرض له من جلد.. وفي الظاهر تقول فيه، ما في الخمر..
وكم من ساديين، زادوا النساء خضوعاً وتمسحاً بهم وتذللاً إليهم، ولعمري كم شهد الواقع من أصناف المتعلقين والمتعلقات، كلهم يركعون لإله اختاروه من لحم ودم، يرمقونه حال ركوعهم أمامه بنظرات ناعسة ومستجدية، وهم يمسكون ساقيه بيدين مرتجفتين، ثم يقسمون بأنهم لا يقدرون أن يستغنوا عنه، ذاك قسم بإله آخر ليس كمثله شيء..
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 57 -59،
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.