التعبّد في محراب رب العمل
أما أبرز مصاديق قوة المال وسطوته.. ففي العمل..
ذلك المجال الذي يجمع رب العمل أو صاحب المال، والأُجراء أو الأتباع، على اختلاف درجاتهم، إذ يمكن القول بأن بيئة العمل هي مكان سلطان رب العمل، على رعاياه من الموظفين "الأتباع" أو قل عبيده...
وبمعزل عن أي مسميات أو عبارات تجميلية لتلطيف حدة هذه العبودية، كذلك ومهما بلغت العلوم وبلغ التقدم من شق الأنفس، في صياغة وطرح مفاهيم متولّدة من علم الإجتماع والنفس والإقتصاد والإدارة وغيرها... بغية سلخ حالة العبودية عن بيئة العمل، وإضفاء مظاهر الحداثة عليها، فلن تفلح.. إذ يمكن تشبيه هذا الواقع، بحال تلك المرأة القبيحة التي أسرفتْ في عمليات التجميل ووضع المساحيق الملونه على وجهها، إلا أنها سوف تزداد بشاعة في نهاية الأمر، فهل تصلح عطارة التحضر في تجميل وجه متجعد وشديد القبح، توارت خلف ملامحه العبودية بسيرتها الأولى..
تغيّر النمط الثقافي في الحياة العملية:
فقد تم استبدال السوط بالتعليمات الإدارية الصارمة، التي تستوجب عقوبة قانونية لمن يخالفها، وتم استبدال الاستغلال القاسي بالاستغلال الناعم، كل هذا وسط حالة تحاكي التقدم، لكن ما وراء المشهد، لا أرى سوى لقطات من تاريخ العبودية العتيقة، كل العبيد من ذكور وإناث يتفانون لخدمة العمل وربه، بعد أن ركنوا في منازلهم، ثوب الشكيمة والكرامة، وارتدوا زي المداهنة والنفاق والتذلّل، وتقديم كل ما يلزم من فروض الولاء والطاعة لسيدهم...
الانعكاسات النفسية وظهورها!!
فذاك الرجل المُهاب في بيته، بل وفي محيطه، يتبدّل حاله في عمله، ليصبح ليناً وطوع بنان سيده ومولاه، بمعزل عن مدى سفالة ودناءة السيد، وبمعزل عن اضطرار الرجل المُهاب!! للعمل.. لإطعام اتباعه "عبيده"..
أما تلك الموظفة فائقة الجمال، التي تسخّر كل إمكانياتها، التي تعتبر كعامل جذب للعملاء وإرضاء الأسياد، بحركات الغنج والمياعة والمداهنة، حيث سقوط قناع الحياء أسفل سافلين، تلك الإمكانيات التي لا تتنازل وتقوم بتسخيرها لزوجها، بعد عودتها منهكةً من عملها، وهي تسابق الوقت لإتمام بعض أعمال المنزل، ويا ويل زوجها إن اعترض... فسوف تعامله كما يعاملها سيدها، ذلك في حال تمنعتْ عن قيامها بوظيفة الجارية، التي يرتجيها منها، أما في حال قبولها بتلك الوظيفة فتكون أشد وطأة في ردها وتذّمرها على زوجها، ذلك بأنها تعيش حالة من بيع نفسها بأبخس الأثمان.. حيث تعتبر بأن الزوج هو من يتحمل مسؤولية أعباء عملها وخلع ملابسها!!
بكل الأحوال، يكون المنزل والزوج ساحة لتفرّيغ اضطراباتها.. سواء رضي بوطيفة الجارية لها أم لا، فلا فرق عندها.. إنه الكبت أيها السادة... فهي تشاركه في أعباء الدور الاقتصادي، المنوط بالزوج بحسب تقسيم الموروث، ممّا يجعلها تعبّر عن استيائها هذا، بمخرجات سلوكية انتقامية ضد زوجها المتهاون في دوره!! استجابة لِما يلكز في نفسها من عصا الإحباط..
كما أصبحت المنافسة في بيئة العمل تُمارس بشكل عمل تحت ضغط، ممّا يستنفد القوة الذهنية والجسدية للموظفين، تماماً كما كان الحال إبان عمل المناجم، ثم أن لهذه المنافسة لها ما لها من إسهام في استبطان البغضاء بين طبقة العبيد، وتعزيز الأنانية الفردية، واتنهاج الوصوليه، وهم يلبسون أقنعة التودد لبعضهم البعض! في الظاهر..
كذلك، تغيّر مفهوم السخرة بعض الشيء، فأصبح العائد من العمل بالكاد يسد أساسيات حياة الموظف، بعدما كان أجداده يشتغلون بلقمتهم، فلا يكاد يختلف عنهم كثيراً، ذلك بعدها اعتنق عبودية المظاهر والاستهلاك، العائدة قرابينها لأرباب عمل آخرين في نهاية الأمر.
الحدث العظيم:
أمَا وقد ذكرتُ السخرة...
هلا أخبرتكم عمّا حدث في حفر قناة السويس، وما أدراكم ما حدث هناك، حيث المقبرة الجماعية لآلاف العاملين سخرة، أُقيمت بعدها الاحتفالات الصاخبة فوق جثثهم، وسط تصفيق وحبور أسياد العالم إذ ذاك، وهم يظنون بأن صفارات السفن تصدح احتفاءً بهم وهي تتهادى وتتراقص فوق الماء، لكنّ انشغالهم ولهوهم باستعراضات الحدث العظيم، قد صرف أنظارهم عن التدقيق في السفن التي كانت في حقيقة الأمر تتلَّوى وجعاً، ناعية للأجساد المتساقطة... وما عساي أن أضرب لكم من أمثال... والتاريخ متخم بها.. فراجعوا..
***
أما الهيكل الإداري أصبح يضم سلسلة من العبيد مع بعض الامتيازات، تحت مسميات رتبية، يقوم الأعلى منهم بتفريغ عقده النفسية ضد الأدنى.
والحال هذا، ليس وليد عقود قصيرة خلت، لكنه حضر مخاض الولادة البشرية الأولى ورافقها إلى الآن، آخذاً في تشكله خلال سيرورته بحسب كل مرحلة ليناسب ثقافتها، التي تنظم العلاقة بين الأسياد والعبيد، المتمظهرة بالسيد والتابع..
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 31 -35،
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.