"تابع" لـ: محراب رب العمل
لزوم إعادة صياغة الواقع الحالي:
بالعودة إلى العمل، أشدد بأن ليس مقصدي أن تكون هناك حالة من اللاضبط أو التمرّد الغبي ضد أصحاب الأموال أو أرباب العمل، والنظر إليهم كأسياد هدفهم الأساس إذلال العبيد التابعين لهم فحسب، لكن حبذا لو نقتلع من أعماق أرباب العمل عقيدة التسلط، كما يلزم سلخ مفهوم التبعية والخنوع من ذهن وممارسة أولئك التابعين لهم، فيكون الأمر على شكل تبادل خدمات بحت، محكوم بعقود عادلة تنظم مسألة التبادل حصراً، دون المساس بشخص وكرامة كِلا المتعاقدين، فالمسألة يلزم أن تكون مجرّد تبادل منافع وقيم في حالة من تنظيم عادل، فلا حاجة لخضوع الأجير ولا مبرر لتسلط صاحب العمل أو المال، وتفريغ عقده واضطراباته عليهم..
بكل الأحوال، يجدر أن تُعاد صياغة الواقع الحالي بين رب العمل والأجير وإحلالها بأخرى، بتدخل من سلطة القانون، على شكل عقود تكتبها أيدي أخصائيين نفسيين وإجتماعيين وقانونيين بمشاركة أيدي أرباب العمل والأجراء، يكتبونها بأقلام العدل والإنصاف لا بالقلم الاقتصادي المنحاز!
حيث إنه لا مفرَّ من تكامل بني البشر بين بعضهم البعض، كلٌ بحسب ما يُحسن صنعه وحيثما يكون دوره، فليكن هذا التكامل من خلال صيغة تراعي الجوانب الإنسانية بأبعادها النفسية والاجتماعية والمالية لجميع الأطراف، حيث من غير المقبول أن يكون العمل مجالاً لإذلال الأدنى وتسلط الأعلى..
تفعيل الجوانب الإنسانية:
بل على العكس، فإن ساد جو من العدل والإنصاف في مجال العمل، يضمن ذلك تحقيق استفادة قصوى من إمكانيات كل الأطراف، مع عدم إغفال الجوانب الإنسانية لأي منهم، كذلك لا تقلقوا بشأن مسألة عقاب المخالفين أو المخلين من الموظفين عند تلكؤهم أو إضرارهم بالعمل، فالتهديد والترهيب والسوط الناعم ليس بالضروري أن يجعل العمل منضبطاً على الدوام، وإن ضبطه فلا يمكن أن نتغافل عن أضراره النفسية عند المخالفين.. حيث بالإمكان إيجاد الكثير من اجراءات الضبط التي لا تنتمي للوائح التسلّط، هذا فضلاً عن اضمحلال مظاهر الفوضى والإهمال التي ستسود، في حال كان الموظف يشعر بأن كرامته وحقوقه مصانة، فلسوف يكون ضنيناً على العمل أكثر من صاحبه.. ومن شذ فتفريق دون ظلم لأحدهما في ظل حفظ حقوق، وإيفاء إلتزامات كل منهما.. وانتهى الأمر..
تلك الشعرة:
أما المعضلة فإن الكثيرين لا يرون تلك الشعرة بين الضبط والنظام والعبودية بأبعادها المتحضرة في بيئة العمل، فهل من المقبول أن يمارس رب عمل تصرفات فوقية وتسلطية على عماله!! تحت وطأة حاجتهم إليه، ويتناسى حاجته إليهم كحاجته للمأكل والمشرب، فهم الأداة التي تضخّم ثروته وتسيّر عمله، ولا يمكنه الاستغناء عنهم، وفوق كل هذا يحصلون على الفتات، المختلط بالإهانة والدونية، فلعمري إنها المهزلة!
هذا، وبمعزل عن وعي هذه الحقيقة لديها، لكن يصعب تغيير الحال كما هو المرتجى، لأن المسألة مرتبطة بحاجة العامل أو الموظف إلى المال، بعدها حولوه إلى مستهلك، وألزموه بأعباء لا حصر لها، ممّا عزّز تبعيته لرب العمل...
فضلاً عن وجود إرتباطات نفسية وإجتماعية أخرى، رابضة بكل نفس بشرية، النفس التواقة إلى ممارسة التسلط والسيطرة وفرض القوة على الأدنى، حيث النرجسية المجبولة بها، فمن ذا الذي لا يتطلع إلى امتلاك القوة المادية والمعنوية، طبعاً ليستخدمها في حياته! وهل تخلو نزعة السيطرة من أغلبية البشر التي تدفعهم إلى تسخير وسحق الآخر إن لزم الأمر!
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد مدني، ص 40 -43،
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1، 2023.