الاحتلال الناعم
هنا سأنتهج النقد القاسي المقصود مني وبشدة..
انطلاقاً من اعتقادي، بأن كل غريب يطأ هذه البلاد، بغرض فرض النفوذ والسيطرة ونهب الثروات وفرض عقائد أو ثقافات من شأنها أن تُلحق ضرراً في المجتمع، أو يأتي لفرض سياسات خبيثة، فلا يكون هذا الغريب إلا محتلاً آثماً.. وإن كانت هناك مسميات أخرى لهذا الاحتلال يتفوه بها بعض الخونة ..
إعادة بناء مفهوم الاحتلال:
وعليه، دع عنك ما يتفوه به بعضهم بشأن كلمة احتلال، إذ يعتبرونه يكون من خلال «استيلاء دولة على أراضي دولة أُخرى، أو بعضها قهراً»، هذا صحيح من الناحية اللغوية، لكن لا مانع من تطوير هذا المعنى، وذلك بلحاظ الواقع المُعاش، كاحتلال دولة ما لإرادة شعب آخر! أو أن تقوم دولة بتجنيد حكّام دولة أُخرى تابعة لها، حيث يحكمون شعبهم بتوجيهات من تلك الدولة المحتلة أو دول الاحتلال دون أن تحرّك جندي واحد، إذ يكفي للمحتل أن يحرّك يده ويمسك بهاتفه ثم يُجري مكالمة مقتضبة مع الحاكم التابع، حتى يكون للمحتل ما يريد! لذا فالحاجة ملّحة إلى إعادة النظر في المعنى اللغوي، وحبذا لو كان لبنان وحدة ملاحظة لإعادة بناء هذا المفهوم، حيث استثنائيته من ناحية الاحتلال، فهو قد عايش كل أبعاد وأشكال الاحتلال!‘!
فلعمري لا أدري مَنْ ينصر مَنْ!!
بكل الأحوال، إذا انتهك هذا الغريب سيادة البلاد وجنَّد اتباعاً وأذرعاً تحت عناوين براقة ومخادعة تخدم سياسة بلده وتخوض الصراعات بالوكالة عنه، يكون أيضاً احتلالاً، فلا شرط أن يحتل البلاد بجنده الأصليين!! حيث الاحتلال المبطّن! ذاك الذي يكون في نفوس من يعتقدون به، فهم قد أبدلوا حب أوطانهم بحب البلد المحتل، كذلك هم على استعداد للموت دونه والذود عنه، وإن سألتهم لماذا؟ إجابوا: بأنهم يحبون البلد الفلاني، فهو الحامي لهم والرامي إلى نصرتهم.. فلعمري لا أدري مَنْ ينصر مَنْ!!
ولا استثني أحداً، ولا أتوسع أكثر، برغبة من أستاذي المعظم، ونصحه إياي أن أُحجم عن التصريح بشأن بعض المنظمات.. بعد أن أصابته لعنة مقال كتبه، وهو يشاهد كيف نثروه على الأرصفة وباعوا درره بثمن بخس!! بيعاً كيدياً.. هذا وما زالت آثار اللعنة تحوم حولنا، ونحن نشرب الشاي معاً في مكتبه، حيث منفاه!!
أوجه الاحتلال:
كما أن للاحتلال أوجهاً عديدة، ولاسيّما الناعم منها، كالاحتلال الثقافي، الإقتصادي، السياسي... احتلال يتماشى مع الحروب الناعمة، فلم تعد بزات العساكر تتسخ بتراب المعارك، بعد أن انصب جهدهم في استعراضات عسكرية تُظهر تقدم الصناعات العسكرية، تنقلها إلينا شاشات مصغرة، وسط ذهول المُشاهد لآلات الحرب المهولة، والتي تعتبر بمثابة رسائل أو تصعيد موجه للعدو في الظاهر ، بأن إلزم حدك فها نحن جاهزون، لجعل بلدك رماداً!
ولا أرى في هذه الاستعراضات إلا عتاب الأحبة، تخفيه عنّا براعة إتقان الأدوار التمثيلية العسكرية!
هؤلاء الأحبة الذين يتقاسمون ثروات العالم وولاء سكانه!
وإن جَدَّ الجِدُّ، فحروب بالوكالة، وبعض تنازلات، تُباد خلالها الشعوب التابعة، ثم ينقضي الأمر بتقسيم لصالح الأقوى وإرساء سياسات جديدة، كانوا قد كتبوها معاً في قاعات سرّية.
اعتراني الفضول:
هذا، وما زال الفضول يلّح علي، عندما شاهدتُ نتنياهو في موسكو يجلس مع بوتين عدّوه اللدود حسب علمنا بأسرار السياسة العالمية! فهل كانا يتبادلان الشتائم؟ أم كان بوتين يعاتبه على أفعاله الإجرامية بحقّ الفلسطينيين؟!
إلا أن مظاهر الودّ والغبطة التي سادت الوجوه والمكان، كانت تعرب عن حالة العشق السياسي المتبادل! كذلك زاد فضولي وأنا أفكر بأولئك الذين شاهدوا الحدث، ممّن لقبُّوا بوتين بـ "الحاج بوتين" أو "أبو علي بوتين"! أولئك الذين يجدون مبرّراً للشيطان إن كان حليفهم! ذاك الشيطان البرتقالي!... يا ترى ما رأيهم؟!
من كتاب وتستمر العبودية للكاتب حسن محمد
مدني، ص 20 -23، المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني، دار صبح، ط1،
2023.