- من الواقع الاجتماعي والسياسي اللبناني ...
منشورات
المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي - حسن مدني
للإنتاج الفكري والأدبي والعلمي والبحثي والفني
أبرز مظاهر السلوك عند معظم اللبنانيين...
تحت وطأة الأزمة المالية من سنة 2019 إلى بداية سنة 2023
(وسقوط الأقنعة)
بقلم:
... الكاتب والباحث حسن مدني ....
- قبل الأزمة
- واقع الأزمة
- سلوكيات عبّاد الدولار
- السلوك السياسي المتلاعب
- الدروس المستفادة
وتداعيات الأزمة
بعد حلمٍ استغرق فترة سبات طويل، عاش أضغاثَهُ
اللّبنانيون فوق سرير سعر الصرف الوثير والموهوم!!، فما هي إلا صحوة مفزعة قرعت
أجراسها أزمة سنة 2019، فأخذوا يتأملون مرتعدين انخفاض قيمة الليرة وبداية رحلة
التضّخم المالي، وفي آذانهم تتردّد أصداء وعود حاكم الليرة بقوّتها واستقرارها
التي لم تنفك عنهم أثناء سباتهم العميق، فصاروا يتخبطون يمنى ويسرى... وبما أن
معظمهم يرى موضعه في السّماء العالية!!، فقرّر الدولار أن يرتقي إلى مستواهم
الرفيع، رفع الله كعوبهم!!...
فقضى الطيران الجنوني الذي صاحبه ارتفاع في السلع
والخدمات على المستويات كافة، فرأينا من معظم اللبنانيين عجيب السلوك، وبانت خبايا
دواخلهم، وسقطت الأقنعة، وكأن أكثرهم ما صدّق أن تأتيه فرصة كهذه، حتى يُظهر
قذاراته وحقيقة نواياه، ويكشف عن سوأة أعماله، فتفشى الاستغلال بين الناس، وانعدمت
الرحمة، ورأينا الشماتة، ولمسنا الغش والكذب والخداع، ودُهشنا من التكالب على
الشراء والإسراف، وفُزعنا من إجرام وسادية معظم التجّار، وتيّقنا بأن الفساد متجذر
في الأنفس، حيث الرذيلة عندهم متعة، والأنانية تلذّذ، والحقارة ممارسة، والسرقة
مهارة، والنصب فن، والاستغلال حرفة، وسحق المستضعفين موهبة، والمتاجرة بالقيم
النبيلة والدينية مهنة، والتظاهر بالفضيلة تمثيل، وهكذا تشابكت هذه الممارسات
وغيرها لتساهم في رسم هوية جديدة أزالت غبارها الغليظ يد الأزمة الحاصلة.
فما هو
المنتظر من أناس بعضهم:
تابع، مسيّر، خاضع، فاسد، سارق، محتكرٌ، مستغلٌ،
خانع, مستعَمر، منتدبٌ، مستنفذٌ، منحلٌ، أحمق، كسولُ، حسودٌ، كذوبٌ، مجرمٌ، أناني،
فارغٌ، تافه، مغرور، رذيل، عربيد....
والحق أقول: إن منَ الناس منْ أثبت عكس ما ذكرنا من
رذائل وتبرأوا من الرموز التي كانوا يعبدونها ويقدسون ممارساتها، كما أن هناك من
راعوا ضمائرهم ولم يستغلوا الناس ليستفيدوا من الأزمة الحاصلة، وآخرون من مدّ يد
المساعدة لمن فتكت بهم الأزمة، والحاصل أن المشهد العام والسلوك الجمعي يجعل المرء
يقف مدهوشاً أمام تصرفات تخطّت وسوسات إبليس، حتى إنه (لعنه الله) وقف مستغرباً من
أفعالهم وقال في نفسه، «يا لكم من أساتذة،
أحسنتهم أيها المخلصون لي»، وصار اللعين يتجول في المناطق للمشاهدة والإستمتاع
بإنجازات طلابه وأتباعه، فيدخل منطقة معينة ويرى العجب ويقول، أحسنت يا حاج،
وأحسنتِ يا حاجة، ثم يغادر إلى منطقة معادية ويدهش ممّا يراه ويقول، أحسنتِ يا
«مدام» وأحسنت يا «مسيو»، وفي منطقة أخرى يثني على فعل العم والخالة، ولكن أبليس
حزن كثيراً عندما وجدهم يحلفون بالله ومقدساتهم، ويضعون الرموز الدينية على جدران
وواجهات متاجرهم، حتى بات يقول بحسرة «أين أنا من مكاسبهم»، وكان يطمح للمكاسب
المعنوية طبعاً، لكنّه فجأة تذكر أن الفضل يرجع إليهم بالدرجة الأولى، فقرّر أن
ينصرف عنهم حتى لا يتأثر من تصرفاتهم، وينقل العدوى إلى مجتمع الأبالسة!!!
ونرى أن هذة الأزمة تشابه الحرب الأهلية من أوجه
كثيرة، لكنها أشدّ ضراوة وأصعب فتكاً، فالقتل الناعم في كل مكان، وزعيم المحور ما
زالت توجهاته سارية، لكنها ضد شعبه وليس كما كانت سابقاً ضد الطرف الطائفي الآخر،
والمضحك كثيراً، تحليل الناس لأسباب الأزمة ومسبباتها، فالجواب حاضر كالعادة،
فيقول «فلان الفلاني» إن «الخصم السياسي الآخر» هو وجماعته سبب هذه الأزمة،
والدليل أنهم لا يريدوننا في هذا البلد، ولا يريدون ما حققنا من انجازات، فيلزم
الرد عليه: يا هذا إن حزبك السياسي من مكونات الدولة، فيقول وهو باسط يديه كأنه
الدعاء ونبرة صوته كأنها مشهد من فيلم تاريخي، أي دولة تقصد، فالأطراف الأخرى من
بيدها السلطة، ونحن مساكين، لا نُبرم الإتفاقيات ولا الصفقات المشبوهة معهم،
ويُقْسِم بأنهم لا يوقعون ولا يقبلون بقرارات تضرّ بالناس!!!، ثم يتّهم بأن هناك
بلداناً كبيرة تريد التخلّص منهم، وأن جماعته يعيشون في همٍّ وغم!.
حتى لا يسع المرء إلا أن يشفق عليهم ممّا يتعرّضون
له من اضطهاد ومآسٍ، لا تخفّف حدّتها بضع أوراق خضراء!!، ويقول سامعه في نفسه يا
لهم من مساكين حقاً، كيف يحيون هذه الحياة البائسة، ثم تنتابه الشفقة لأجلهم ويرجو
لو أن الدول الشريرة التي ذكر، ليتها تقضي عليهم، ليس هذا من باب الشر ماعاذ
الله!، ولكن كي يرتاحوا من هذا الهمّ والبؤس والكرب، فالجنة راحة المؤمن! أما ابن
الطائفة الأخرى المعادية، فيكون جوابه، بأن الآخرين هم سبب الأزمة لأنهم يعادون
الدول الباطشة والقوية، وإنهم يشكلون خطراً على البلاد والعباد، فأقول له: إن خطر
غبائك أكبر ضرراً من الجماعة التي تتهمها، فقبل أن تجيب لمَ تتغافل عن سلوك
جماعتك؟ التي هي من مكونات الدولة المترسخة فيها، وحال تبعيتها للخارج كغيرها،
وهنا أقول أن للكل حجته التي يعتقد بأنها منطقية والكثيرون بارعون في فن الإقناع
والجعجعة، لإيمانهم أنهم على الحق والصواب دونما استثناء لأحد، حيث يغنّون على
ليلاهم الأغاني الحزبية المقدسة.
هذا والأهم أن الكل يعلم بأن سعر صرف الليرة ليس
حقيقياً بل «وهمياً»، وهو مرتبط ٌبهندسة مالية شيطانية، فضلاً عن السرقات
والاختلاسات ونهب المال العام، وبعبارة حاسمة الكل شريك فيما وصل إليه البلد فمنهم
السارق ومنهم الساكت الذي ينتفع مقابل هذا السكوت، ولا فرق في حجم المسؤولية بينهم
ولا مبرر لأحد، وكلهم من وراء الكواليس شركاء ويأتمرون بأوامر الخارج بدون
استثناء، ويخضعون للأيادي الخفّية التي تحرّك العالم، التي تُعرف لنا بالماسونية
أو قل ما هو المراد لنا أن نعرفه!! حيث يشكّلون منظومة شديدة التعقيد ومتداخلة في
كل المفاصل الحساسة على صعيد الإقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم وغير ذلك، وهم
يزرعون اتباعهم في كل مكان ذي تأثير ونفوذ ذلك لفرض سيطرتهم ومخططاتهم على العالم
بأجمعه، وإني لأعجب من هؤلاء الذين يعتقدون بقوتهم على سحق تلك الإشباح التي تحكم
العالم، حيث نجد الشعارات الرنانة ذات القدرة على التقرّب إلى عواطف الجمهور
لتحقيق مآرب حزبية مشبوهة البواطن، والشاهد على ذلك الأداء الواقعي لهذه الأحزاب
الذي تفوح منه روائح المؤامرات العفنة التي لا تدركها سوى الأنوف الحسّاسة، لا تلك
الأنوف التي اعتادت شم مخدرات زعيمها.
والأمر ببساطة لمواجهة أي خطر داهم ظاهر أو باطن،
هو أن تقام خطط مضادة قوامها العمل على وحدة وتكامل وتوعية وقوة المجتمع ليكوّن
سداً منيعاً بوجه ما يراد له، وهذا يبدأ من العمل على الفرد ثم مجموعة أفراد
متمتعين بقدرات عقلية عالية ووعي مرتفع وصولاً إلى الكل، مع وجود مخططات محكمة
والعمل الشاق على تحقيقها على المستوى الثقافي والاقتصادي والنفسي والاجتماعي
والعلمي والعقدي...، فسوف تكون هناك نتيجة مُرضية ولو على المدى البعيد، فالذي
يحكم العالم اليوم قد بدأ بخطوة أولى من لا شيء، واستطاع بمخططات شيطانية يصاحبها
الصبر والحنكة والدهاء أن يسيطر على العالم، إذاً أمر الوقاية من شرهم وإن بدا
مستحيلاً لكنه يستحيل ممكناً بالإيمان والإصرار على التخلص منه، فالخير ينتصر بالعمل
الشاق لأجل تحقيقه وليس بالتنظير وكثرة الشعارات والكلام، والمصيبة الكبرى أن معظم
الأبواق التي تصدعنا، هي أصلاً غارقة في التبعية.
قبل
الأزمة:
اللبنانيون بمعظمهم حرسهم الله من العين!! كانت
حياتهم عبارة عن تذّمر في تذّمر، إذ تراهم يتأففون بكرة وأصيلاً، فهم لا يرضون في
الظاهر عن حاكم نصبوه وهو آخذ يمص دماءهم ويسوقهم كيفما يشاء، وكيفما يساق هو من
قِبل أسياده الذين يسيرون السياسة العالمية، فتراهم غير راضين عن حالهم فالموظف لا
يرضيه راتبه، وصاحب الوديعة البنكية يشتكي ويريد زيادة نسبة الفائدة، وحاملو
الهواتف الذكية الذين يبدلونها مع كل إصدار ويشتكون غلاء تعرفة شحن رصيدها، وربات
البيوت يردن خوض غمار العمل لتحقيق ذاتهن لتحقيق الندّية مع أزواجهن، وأخريات لا
يطقن استخدام الأثاث لأكثر من سنة كما هو حال الجارة أو القريبة، ومعظم اللبنانين
لا يعملون بمهن تقلّل من مظهرهم الاجتماعي، فهم أصحاب «بريستيج» يلزم الحفاظ عليه،
لأجل ذلك هم يستقدمون العمالة الخارجية لقاء الدفع بالدولار، وهناك من شعبنا
الحبيب من يدمنون الإقتراض من البنوك لشراء سيارة أو منزل على دفعات، فضلاً عن
نسوة يقترضن لإجراء عمليات التجميل وشراء المستحضرات، لتسدد مبلغ القرض بقدرة قادر
قبل موعده، فسبحان العاطي الوهاب، وأخريات يجرين عمليات التجميل من باب المظاهر
وتقليد فلانة من المشاهير أو لأسباب شخصية ونفسية واجتماعية، إلى غير ذلك من
التوصيف الذي يطول ويطول.
وبعبارة جامعة لسلوكهم، حب المظاهر و»الغرور
الزائف» حتى أصبح الفرد يضطر إلى القول بأن ما أصابهم من ويلات مالية، حقٌ عليهم
وهو النتيجة الطبيعية لأفعالهم، إلا من رحم ربي.
ولا بد من لزوم الإلماح إلى الأمراض الإجتماعية عند
البعض، على الصعيد النفسي كعقدة النقص الجمعي، وقلّة الثقة بالنفس الذين يسعون إلى
تعويضها بالاهتمام بالمظاهر المبالغ فيها، ثم الحضور الطاغي للتعصب الطائفي
والمناطقي الممتد بجذوره إلى القبلية والبدائية الأولى، وإذا نظرتَ إلى المجتمع
وجدتَ تفشي ظواهر المخدرات والخيانة الزوجية من الجنسين والإسراف والتقليد السلبي
للثقافات الغربية وتشوّش صورة الهوية اللبنانية، وغير ذلك الكثير يراها الناظر
المتتبع...
وأمام كل هذا السواد هناك من يشذّ عن السلوكيات
الحاكمة فهناك المصلحون وأصحاب المبادئ والقيم النبيلة وأهل الفكر والوطنيّون، وهم
يتوزعون بقلّة على امتداد أرض الوطن لبنان.
واقع
الأزمة:
يشهد الواقع المعاش تبدلاً في أسعار السلع والخدمات
بشكل جنوني، كما وفقدت المداخيل قيمتها، وانتشر الاستغلال، وزادت البطالة، وعم
الشعور بالخوف من الآتي، فارتعبت الأنفس، ثم اتبع الكثير قول: «اللهم نفسي» وأصبحت
الجريمة في تصاعد مستمر، وزادت خطابات التخدير للمخدرين أصلاً، وغابت رقابة الدولة
مع غياب ضمائر السواد الأعظم من الناس، ثم تم ابتكار مهن مثل الصرافة في كل مكان،
وانتعشت مهن أخرى كبيع المخلفات المعدنية والبلاستيكية، وتراجعت المهن المكتبية،
وراجت التجارة وارتفعت مكاسب المهن الحرة، وانتشرت بكثرة أعمال الطاقة البديلة،
بعد ارتفاع فاتورة اشتراكات عصابات الكهرباء، الذين يعملون تحت غطاء سياسي هم
وعصابات اشتراكات الإنترنت وخدمات الهاتف النقال، وسرقت البنوك أموال الناس،
وأصبحت هناك سوق سوداء تحدد سعر صرف الدولار عبر منصات إلكترونية، في ظل تبرؤ
الجهات السياسية منها وهم من صنعها ويتحكم فيها من وراء ستار ويتقاسمون أرباحها!!،
وكل طائفة تعتقد أن زعيمها من هذه المنصات بريء!، فيا عجبي بصنيع تخطى الغباء
بسنوات ضوئية!!
أما الطبقة المتوسطة من موظفي الشركات وأساتذة
الجامعات وغيرهم فصاروا في حالة يُرثى لها، ممّا أسفر عن اتساع رقعة الفقر، وظهرت
طبقة من مستغلي الأزمة، فانضمّوا إلى طبقة الميسورين والأغنياء الذين زادوا ثروةً،
تلك الأزمة التي غيرّت معها عادات الناس في يومياتهم، في المأكل والمشرب والتسوّق
...، فالفقراء ازدادوا فقراً، بعدما أصبحت رواتبهم لا تكفي لسّد أساسيات الحياة،
فاضطر أكثرهم إلى التقشّف مع دعاء بعضهم لزعمه بطول العمر ودوام بركته، أما معظم
الذين يتقاضون رواتب وحِولات خارجية بالدولار فورّدت وجوههم وصاروا يتضرّعون سراً
بدوام ارتفاع الدولار...
تلك الحِولات التي ساهمت في عدم زج الكثيرين في هوة
الفقر والعوّز، فضلاً عن إسهامها في حركة الانتعاش المالي على المستوى التجاري
والخدماتي، وانتعاش حركة تبادل الأموال بين الأفراد وعدم سقوط بعض الاستثمارات...
سلوكيات
عبّاد الدولار:
من الضروري رصد التغيّرات السلوكية بما حلّ بالبلاد
والعباد، والوقوف على تداعيات الأزمة ومصائبها على البعض، وفوائدها على الآخرين.
وبعد أن ذكرتُ تمنيات وأدعية أكثر المتقاضين
بالدولار، يلزم أن أفسر لماذا هذا الدعاء والتضرع بدوام ارتفاعه، حيث يمكن إرجاع
الأسباب إلى الحالة السابقة التي مرّت على الكثيرين من الحرمان والبؤس، فبعد أن
كانت أجورهم متدنية أصبحت مرتفعة جداً في ظل الأزمة، فذهبوا يتلقفون ما حرموا منه
في أيامهم العجاف الغابرة، كجائع وضعت أمامه موائد ملكيّة بعد جوع عتيق...
وقد ساهمت الأنانية الفردية المتفشية، المصحوبة
بالطمع وحب المال، وشعور العظمة الذي انتاب الكثيرين بعدما وجدوا أنفسهم قادرين
على العيش برغد وبحبوحة، فاسرعوا في تعويض النقص المتجذر في دواخلهم، هذا ناهيكم
عن شماته الكثيرين الذين ظنوا أن تقاضيهم راتباً بالدولاد يعد نصراً على الجماعات
الكافرة والمارقة والباغية، باعتبارهم يرون أن الجنة حكر لهم، وما هذه الأزمة إلا
انتقام العزيز الجبار من أعدائه، وإن كان هؤلاء الأعداء من جيارنهم أو أقربائهم!
والحق أقول أنني قد رصدتُ سلوك الكثيرين منهم داخل
المتاجر وفي الطرقات وما رأيت من تجارب الناس وسماع أخبارهم يثير الدهشة، فذات مرة
من مرات كثيرة، كننت أشتري بعض الحاجات من «دكان» فأحذتُ في الحديث مع صاحبه ثم
دخل زبون وانضمّ إلينا وحديث يجرّ حديثاً، حتى صار يستنكر أفعال بعض الشامتين
الذين يتقاضون الرواتب الخضراء، ثم أخرج هاتفه وعرض لنا مقاطع مصورة لشخص قال إنه
من أقربائه، حيث رأينا ذلك الرجل يصوّر نفسه وهو يشوي خروفاً ويتلفظ بعبارات
المعايرة والشماتة المبطنة، فيقول له: منذ متى وأنت لم تأكل اللحم، ويضحك بصوت
عالٍ، ثم يقول: اخبرني هل هناك زيادة مرتقبة لرواتبكم الحكومية، فكيف تعيش على هذا
الراتب!!، أما الأفضل لك لو كنت في جماعتنا؟، هيا تعال تعال تناول معنا اللحم لا
تستحي، أعلم أنّك لم تتذّوقه منذ أشهر، ثم تعلو منه ضحكات شامتة، وعلى غرار هذا
المقطع مقاطع حقيرة مصوّرة أخرى.
أما على صعيد التظاهر بالشراء فحدث ولا حرج، فترى
الكثيرين استبدلوا سياراتهم بأحدث منها، وضجّت المطاعم وأماكن التنزه بهم، لكن
الأهم أنهم يتعمدون شراء حاجياتهم بأكياس شفافة ليجعلوا الناس ترى ما بداخلها،
ويمشون بشكل استعراضي، باختيال.
وعندما يدخلون المتاجر يشترون ببذخ، وترى تلك
السيدة التي يمكن تمييزها عن غيرها بأنها من الفرقة الناجية «دولارياً» كيف وهي
تنظر بقرف وبالكاد تتلمس السلعة لتتفحصها كيما ترى إذا كانت من مستواها حتى
تشتريها، وهو ذات تصرف بعض الرجال، فتراه يقبض على السلع كأنهم مساجين وفتحت لهم
أبواب زنازينهم، وهو الموكل بتهريبهم بعربته التسويقية ، كما ويتردد في الأصداء
تأكيد الكثير منهم أن النعمة التي حلّت عليهم هي دلالة على أنهم من أهل الحق
وسواهم من أهل الباطل وهذا نصر من الله، والناس يجب أن يصححوا مسارهم العقائدي لأن
ما حل بهم غضب إلهي!! غير ذلك الكثير من ألوان الشماتة والطغيان.
والحق أقول إن منهم من مدّ يد العوّن والمساعدة
لأقربائه أو جيرانه، وصان النعم الذي قُدرت له.
ثم إن بعض الأعمال الحرة دخلت الحيّز الأخضر!! بعد
أن كانت مهن متواضعة أيام زمن الغفوة، فأصبح أصحابها يتفاخرون بها أمام الأستاذ
الجامعي صاحب المهنة المتواضعة!! التي بالكاد توفر عائداتها له بعض التزماته
الأساسية، فيا حسرتاه على ورقة الدكتوراه! وتعب السنين.
ومن الأمور المضحكة أنه ذات مرة كنّا في جلسة تضمّ
الأصحاب والأعداء، فكان بيننا سمسار شقق، جالس واضعاً ساقاً فوق ساق ويرتدي ثياباً
رثة ويمسك بعلبة سجائر، وفي اليد الأخرى يمجّ سيجارته كأنها أخر زاده، ثم ينظر إلى
الجميع باشمئزاز رافعاً رأسه ويمرّر عليهم نظرات متكبرة، وإذا بقدوم امرأة تسأله
عن شقة للإيجار، فنظر إليها وقال لها: والله يا حاجة هناك أزمة في إيجاد شقة
للإيجار، فصارت تلّح عليه أن يجد لها مسكناً وستدفع له ما يريد، فشرد بنظره بعيداً
وقال لها: هناك شقة لا أعلم إن أُجرت أم ما زالت متاحة للإيجار، لكن صاحبها يريد
أن يأجرها بمائة دولار وعمولتي نفس المبلغ، والشقة تقع في الطابق الخامس ويلزمها
بعض الاصلاحات، فنظرت إليه السيدة بحسرة وقالت: ألا يوجد غيرها بأجرة أقل فأنا
أعمل وراتبي لا يتجاوز الخمس ملايين ليرة _ أي لا يتعدى المائة والخمسين دولاراً
_، فقال لها بحزم: لا يوجد، ثم أطرقت السيدة رأسها وانصرفت، فقال بتهكم وسخرية:
بعدما اشعل سيجارة أخرى: أين تعيش هذه «المَرَا» _ لفظ امرأة بالعامية اللبنانية _
فأقل أجرة لشقة مؤلفة من غرفتين متهالكتين مائة دولار، ولو بحثتْ لِتجد أقل من ذلك
رجعتْ صفر اليدين، وكان يتحدث بثقة تامة، ثم فتح يديه وقال منزعجاً: ماذا تشتري
المائة دولار فهي بالكاد تكفي نفقة يوم واحد!!
أما ثقة ذلك السمسار ابن (المَرَا) _ هنا أقصدُ
(بالمَرَا) ما هو متعارف عند إخواننا المصريين ولا سيّما أولاد الشوراع منهم _،
فقد أتت من ثقافة الاحتكار والاستغلال التي تفشت بشكل كأنه مبرمج على مص دماء الناس بعضهم البعض.
وبات أصحاب الشقق يسعون إلى تأجيرها لإخواننا من
الجنسية السورية ويطلبون منهم دفع مبالغ كبيرة، حيث إن بعضهم يتلقى مساعدات من
الأمم المتحدة والبعض الآخر يعمل بأجور مرتفعة، ممّا يجعل الكثير من اللبنانيين
ينحازون للإخوة السوريين في مسألة تفضيلهم على اللبناني الذي لا يقدر على دفع
تكلفة الإيجار، وإذا أردنا التحدث عن تفضيلات أخرى للسوري في لبنان فلا نجد إلا
قليلاً، مثلاً تشغيلهم ببعض المهن التي لا تليق بالكثير من اللبنانيين!! ومسألة
أخرى أن البعض يفضل أو تفضل أو يقوم بها الشاب السوري _ لا داعي لذكرها، إن الله
ستّار على العباد!! – ولكن في أحايين كثيرة لا ينظر إلى المواطن السوري إلا نظرة
دونية واحتقار، هذا مع العلم والمشاهدة الواقعية بأن طبيباً عالماً أو رجل أعمال
أو أستاذ جامعي من الجنسية السورية يعطون دروساً في التواضع والإنسانية، على عكس
بائعة لبنانية في محل ملابس لا تملك شهادات علمية أو حيثية اجتماعية، فإنها تعتقد
في نفسها بأنها محور الكون! وتظهر بمظهر فاره وباطن في حقيقته فارغ، كذلك الأمر
عند بعض الذكور الذين تعجز عن إقناعهم بأن الله قد خلق أناساً في أماكن أخرى ربما
يكونون أفضل منهم، وهنا لا أُعمّم لكنّي أصف ظاهر سلوك الأغلب الأعّم، ولكل قاعدة
شواذ في كلا البلدين...
أما التجّار وأصحاب الإستثمارات فقد نالوا بعضاً من
وصفهم في مقالي «البناء السياسي والتغيير» تحت العنوان «أرجوحة الدولار وواقع
الحال»، فهم أدوات أهل السياسة يستعملونهم في إذلال الناس، ومن التجّار من تم توظيفه
بالفعل لهذا الغرض، ومنهم من يمارس سلوكات قذرة في تجارته واستثماراته دون أن
يُطلب منه ذلك بشكل مباشر، لكنه بحقارته ينفذ من حيث لا يدري أقذر المخططات
الرامية إلى الضغط على الناس، أكثر ممّا يمكن أن يُطلب منه.
في البدء ارتفع الدولار بشكل طفيف، فلم يؤثر على
الأسعار ولم نشهد تغيّرات ملحوظة في الحالة العامة للتجارة والخدمات، ولا سيما وقد
بُثّت إشاعات بأن الدولار سيعاود الهبوط، ومسألة الإشاعات في بلادنا تنتشر كالنار
في الهشيم وتحظى بتصديق الناس، إذ يكفي أن تنتشر إشاعة حول غلاء سلعة ما على المدى
القريب، حتى ترى الناس يتدافعون إلى شرائها بكميات هائلة، ليتبيّن أن الامر مجرد
لعبة لتصريف بضاعة بأرباح هائلة أو تمهيد لرفع أسعار سلعة أو خدمة وغير ذلك من
الألاعيب والخدع.
وبالعودة إلى بادئ ارتفاع الدولار لم تنكشف حقيقة
سلوك الكثيرين، لكن مع الارتفاع المتزايد بدأ التجّار بالإحتكار خوفاً من نفاذ
البضاعة على السعر الحالي للدولار والذي سوف يضطرهم إلى الشراء بسعر أعلى، فملأوا
مخازنهم وأصبحوا يعرضون بضاعتهم بحذر وبأسعار استباقية ليواكبوا ارتفاع الدولار،
وعمّت ثقافة غريبة حيث أصبح التاجر وحتى صاحب دكان البقالة يبيع بضاعته بأعلى سعر،
ويحصد أضعاف ثمنها، فمثلاً إذا كان التاجر يمتلك في مخازنه ألف غالون من الزيت،
قيمة الغالون أربع دولارات والمفروض أن ربحه سيكون دولاراً لكل غالون، فإنه يحتفظ
بالمخزون أطول وقت ممكن حتى يصبح سعر الغالون عشرة دولارات وأكثر، ومبرره في ذلك
ارتفاع الدولار المستمر، وهو إن باع بالسعر القديم فكيف سيواكب الأسعار الجديدة!!؟
وفي حالة بيعه للبضاعة بالسعر القديم فإته سيتناقص رأس ماله ذلك لاستمرار
الإرتفاع، فسيشتري كميات أقل من السابق.
وهنا أصبح التاجر يواكب موجة الفساد والاحتكار، حتى
أصحبت هذه الثقافة في البيع تضاهي مسألة «الإكرامية» تلك الكلمة البديلة للرشوة
التي يمارسها الكثير بشكل طبيعي واعتبارها دخلاً إضافياً.
وهنا لا يمكن أن تقول للتاجر بع بضاعتك بالسعر
القديم وكن مثالياً، لأن الأسعار تتزايد بشكل جنوني، كما أن الأمر أصبح حالة عامة
لا يشذ عنها أحد، لكن لو كان ضميرهم حاضراً ولم يكونوا يتفوقون على حكامهم في
الفساد واللصوصية لِما اتحدوا على الاحتكار وأخذوا يخططون ويعملون على زيادة
الأسعار، وإذا أراد أحد أن يشتري علبة سجائر فإنه يجدها مختلفة السعر والطعم بين
بقالة وأخرى، وكل واحد يضع الأسعار على هواه، والتسابق على السرقة على أوجّه.
فأصبح الكل «تروس» في ماكينة الفساد ولا فرق بين
الراضي والرافض! ولأن لكل قاعدة شواذ فإن هناك من التجّار من راعى ضميرهم قدر
المستطاع ورضي بأرباح معقولة ولم يُمارس الاستفلال والإحتكار.
وقد حدثت معي قصة، حيث كنت في بقالة اعتدت الشراء
منها أول الأزمة، بسبب مراعاتهم لظروف الناس وعرض السلع باسعار معقولة، وكان صاحب
البقالة حسنَ الكلام ومضيافاً، لكنّي مع مرور الوقت بدأت ألحظ أنه يواكب الآخرين
في ركوب موجة الاحتكار والاستغلال، فهو بالرغم من سعيه بسرعة البرق إلى المسجد
المقابل لدكانه عند سماع صوت المؤذن على مدار سنوات قبل الأزمة، إلا أنه عند توسعة
دكانه واقتظاظها بالناس في الأزمة، فَقَدَ بعضاً من ذاكرته ونسي الحديث القائل «لا
خير في عمل قبل الصلاة» وأصبح أصماً عند سماع صوت الأذان فقط، لكنه يسمع طلبات
الزبائن ويلبيها، وتغيّر معسول كلامه إلى بث الخل على مسامعهم، حيث قصدته ذات مرة
لأشتري علبة «شامبو» فوجدت سعرها يزيد عن ربع ثمنها، فمسكتها وذهبت إليه لظني
بوجود خلل في مكنة التسعير، فقلت له يا فلان هذا سعرها الحقيقي أم هناك خطأ ما؟
فقال على الفور، لا هذا سعرها، فقلت له بحدّة: كيف يكون هذا سعرها والتعاونية «الفلانية»
المعروفة بلوصوصيتها تبيعها بأقل من ذلك بربع الثمن، فقال على الفور: هذا تحديث
للثمن ونحن لا علاقة لنا فمن يضع السعر هم التجّار، فأعدتها إلى مكانها وانصرفت
عنه، ثم بعد عدة أيام اضطررّت لشراء بعض الحاجات فقصدته، فاستقبلني بوجه كالح
تعبيراً عن اعتراضي على أسعاره المقدسة، فكانت المرة الأخيرة، وهذا حال معظم أصحاب
محلات البيع، كلٌ يضع الأسعار حسب أهوائه.
وغير ذلك من مئات القصص المشابهة!!
والأنكى من ذلك وفوق الغلاء الحاصل في السلع
والخدمات، فإنه يتم عرض سلعس رديئة واستغلال حاجة الناس للشراء، فانخفضت بذلك جودة
السلغ والخدمات بشكل لا يصدّق ولا من يحاسب، وهذا يحدث عندما يكون الطلب أكبر من
العرض، لكّن الحاصل في بلادنا أنهم يعرضون بضائع تضاهي مستوى ضمائر معظم التجار
والباعة، فتخيلوا إذاً إلى أيّ مدى انخفضت وانحطت جودة السلع والخدمات!!!
السلوك
السياسي المتلاعب!!
بعد أن بلغ السّيل الزبى جرّاء الوضع الخانق، نجد
أن السلوك السياسي غاية في الغرابة ممّا يطرح مئات التساؤلات حول الأداء السياسي
المتلاعب، الذي يتجسّد في إعطاء الناس مزيداً من جرعات التخدير عبر الخطابات
والتصريحات التي تسعى إلى برمجة عواطف الجمهور وغسل أدمغتهم لتقبّل الأزمة بكل ما
تفرز من ويلات، وتسعى إلى ضمان ولائهم للزعيم الذي يروّج الوعود الواهمة، ويحّث
أتباعه بلزوم الانشغال بالتفكير فقط بالخطر الداهم والمتربص فهم من كل جانب، ثم
راحت الخطابات السياسية تتركز على رمي الاتهامات وتخوين الآخر وتحميله مسؤولية ما حلّ
بالبلاد، والشعب بمعظمه يحذو حذو زعيمه فلم يلق بالاً لراتبه الذي بالكاد يسّد
رمقه بضعة أيام، وكيف أصبح يعيش العوّز والحرمان، وأصبح لا يتجرأ بالمرور أمام
مستشفى أو مطعم لتناول وجبة خفيفة، _ اللهم أصحاب الدولارات المحلية والخارجية _
وانصرف المواطن عن كل همومه ومصائبه وأخذ يؤيّد موقف زعيمه أخذ مدافع مستميت، لعله
أيقن أنه ميت في كل الأحوال!!
وهذا السلوك السياسي لا ريّب أنه حربٌ نفسية بكل
المقاييس، قد درست أهل السلطة أصولها وفواعدها على يد أساتذة وأكاديميين أجانب
مهرة، وهذه الأزمة كغيرها لها وقتها المرسوم والمخطط له، فكل مرحلة منها لها
استراتجيتها ومتطلباتها وإجراءاتها التنفيذية، فمثلاً شدّ العصب الطائفي كان
مطلوباً بشدة قبل الانتخابات النيابية، حيث عمد أهل الحكم إلى اعتلاء المنابر ورصّ
كلمات التحريض والتخوين والمسكنة السياسية، ثم تبِعَ هذا الكلام أفعال الشغب وبعض
المناوشات على جغرافيا خطوط التمّاس التي ما زالت راسخة في الأذهان بمثابة دين لا
يكفرون به، فكان انتعاش لروح الطائفية ونسي معظهم الشعب ما يكابده من ويلات وانقلب
التذّمر من الحكام والوضع الخانق إلى تقديس للطائفة ونصرة رئيسها، وها هي قد مرّت الانتخابات كما خططوا لها
بالرغم من ويلات الأزمة، فقد هرع معظم
الشعب اللبناني إلى صناديق الاقتراع وثبّت صنّاع الأزمة فوق عروشهم، فلا غرابة في
تنصيب فاسد لنظيره...
وإذا رصدنا السلوك السياسي فكل شيء مدروس حتى
السكوت من قِبل بعض الجهات، وكأن البلد بألف خير!! وبالطبع لا أحد يستطيع توجيه
اللوّم أو التساؤل، وإلا فاتهامات العمالة والتخوين والتكفير جاهزة، فالزعيم في
بلادنا يحظى بالتقديس والعصمة!! وهو في عقيدة اتباعه لا يُسأل عمّا يفعل وهم
يُسألون!
وبعد أشهر طِوال من المعاناة والحال من سيء إلى
أسواء، وهنا لا بد أن أُشير إلى صديق لي وهو أستاذ جامعي، كان دائماً يردد بثقة
ويقول: «الأيام المقبلة سوف تحمل أسوأ الأمور ولسوف نترحم على هذه الأيام»، وكان
يقول هذا ووجهه يحمل علامات مطمئنة، فأصبح لدي الفضول لأعرف لِمَ هذا الإرتياح؟
والمفروض أن ترتسم عليه علامات الانزعاج، فقررتُ أن أُمعن أكثر في كلامه وأحلّل ما
وراء علامات الارتياح، وبعد فترة من اللقاءات استنتجتُ سرَّ ارتياحه، فهو ينتمي
إلى جماعة سياسية تريد أن يعمَّ الخراب في البلاد وتسوء الأوضاع إلى أبعد حد، وذلك
حتى تلجأ الناس إليها وتكون هي المنقذ الوحيد وتضمن بهذه اللعبة القذرة مزيداً من
التقديس والولاء، ثم الأمر الأخر وهو تحميل الأطراف السياسية الأخرى المعادية
مسؤولية المآسي الكارثية التي سوف تحل، أما الأطراف الأخرى فهي ليست بمنأى عن هذه
القذارة وتتبّع أساليب مشابهة حتى يتملص الكل من المسؤولية وربما تُتهم الكائنات
الفضائية!! بالويلات التي أصابت البلاد والعباد.
وها هو دكتورنا العزيز! ينتظر الأسوء على أحّر من
الجمر ليقف ويحتفل بانتصار جماعته ورشق الإتهامات إلى أعدائه السياسيين، حيث لا
تشتغله الجامعة اللبنانية التي يترزق منها والتي بات حالها أشبه بمدينة أشباح،
ويُراد لها أن تقفل أبوابها لمصلحة التعليم الخاص التابع لرؤوس السياسة، ولا يهمه
أن راتبه الذي يتقاضاه على دفعات وبإذلال بالكاد يدفعه اشتراك كهرباء، وقد انصرف
عن ذهنه أن الخراب الذي ينتظره لن يستثني أحداً!! وسوف يحترق بنار الأزمة كل من
أسهم في إشعالها وهو يظن أن في ذلك الدفء والأمان!.
وإذا كان هذا حال المحسوب من النخبة فتأملوا إذاً
غباء بعض العامة!!
وأرى في هذا المقام لزوم الإشارة إلى مسألة الكرامة
التي تنادي بها كل الجماعات السياسية واتباعها وتحتكرها لنفسها، فهنا أسأل ذلك
المنادي بها:
هل حدثتني عن الكرامة في طوابير الخبز؟، وهل رأيت
الكرامة في طوابير البنزين الطويلة؟، وكيف حال كرامتك عندما تشاهد أصحاب السلع
يبدلون أسعار ما يعرضون أكثر من تبدلك لملابسك؟، وهل رأيت كرامتك والكهرباء لا
تطيق رؤيتك؟، وما حالُك مع فاتورة مولدات إشتراك الكهرباء التي قصمت ظهرك وعداد
«الكيلو وات» الذي أثقل صدرك؟، وكيف حال جسمك وأنت تغسله بماء الكرامة التي تزور
«حنفيتك» في المناسبات وأنت في بلد الماء؟، وإذا اضطرّرت ملء خرانك وتدفع خمس
راتبك، وما رأيك أن تبحث عن كرامتك أمام أبواب المستشفيات وأنت تدعو ربك ليل نهار
وترتعب من فكرة المرض إن ساورتك فكرته لمحةً، يخال لي أنك تقصد الكرامة التي يتلفظ
بها زعيم لتخديرك وتنويمك مغناطسياً لتصبح مسلوب الإرادة أكثر وأكثر، وتردد كلمة
الكرامة كمكسب وهمي أمام خسائرك التي لا تحصى.
وهنا لا يسعني إلا الدعاء لهم بدوام كرامتهم التي
يعتقدون بوجودها، وأدعوكم أيها القراء للدعاء لهم باستمرار..
بلى، هناك من يتقاضون ثمن قول هذه الكلمة من
أحزابهم، فلا لوّم عليهم، لكنك أيها البائس علام تتبجح وتزايد وأنت حطام إنسان!
والمصيبة أن كل أبناء الطوائف يعتقدون أن الكرامة
والوطنية حكر عليهم، وهم وكلاؤها من مصدرها السياسي الذي خدعهم بأنهم الحصريون
لها، وتراهم يبرّرون بأن كل ما يحصل لهم هيّن في مقابل تلك الكرامة! فواعجبي.
ماذا أقول فيكم، لقد تخطيتم كل الحدود، وحار بكم
الطب النفسي بل وتعب لأمركم كل عاقل، وإني والله أكاد أن أصل إلى مرحلة عدم الشفقة
على ما حلّ بكم حتى اني أرغب لكم بصاعقة من السماء لا تبقي لكم أثراً ولا تنبيء
بعدكم بخبر.
والآن بدأت أعي لِمَ كنت أشعر برغبة في التقيؤ وأنا
أشاهد زعيماً سياسياً أو أسمع خطابه منذ كنت صغيراً وسبب اشمئزازي الذي كنت أجهل
حقيقته، حتى توالت الأزمات وانقشعت أمامي حقيقتهم الشيطانية المستترة وراء قيافتهم
القشرية.
الدروس
المستفادة وتداعيات الأزمة:
لا شك بأن الأزمة التي تمرُّ بها البلاد، هي كسائر
التجارب والأزمات، إذ تترك في من يخوضها أثراً ودرساً، إلا عند الذين يمتلكون
ذاكرة سمكية، ولا يتعلمون ويأخذون العبر، فهم يستحقون ما يجري عليهم من الألاعيب
والاستغلال والإذلال، لذا لا بد من لزوم تغيير بعض المفاهيم والسلوكيات، مثلاً:
_ عدم الثقة بالطبقة السياسية دونما استثناء لأحد،
والتيقن بأنهم أدوات خارجية يرفعون شعارات زائفة هدفها السيطرة على الثروات
والمقدّرات وتطويع الناس وإذلالهم.
_ العمل على نبذ الطائفية بأشكالها كافة، والعيش
المشترك كمجتمع واحد متّحد ومتكاسك.
_ التخلي عن الغرور الجمعي، واعتقاد الجماعة
الناجية المترسخ لدى الكثيرين، والاعتراف بالآخر.
_ النظرة المتواضعة للمهن كافة وعدم التعيّب من
العمل بها.
_ تشجيع العمل الإنساني ومد يد العوّن إلى
المحتاجين، مع الحفاظ على كرامتهم والعمل على جعلهم عناصر فاعلة من خلال استثمار
قدراتهم في ضوء التنمية الشاملة.
_ ضرورة الإدخار والاستثمار المالي، بعيداً عن
البنوك ومشاريع تشغيل الأموال، ممّا يتيح الفرصة لحركات رؤوس الأموال وتعظيمها
وخلق فرص عمل.
ولا شك بأن الأزمة خلقت تداعيات على المستويات
كافة، فعلى الصعيد النفسي نجد أن الكثير من اللبنانين لا يزالون في حالة من
النكران والصدمة جرّاء التحوّل الصادم في حياتهم اليومية والعامة، حيث نجد أن
البعض يقف مدهوشاً وهو يرى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، حيث كان يشتري ذات السلعة
بأثمان بخسة فبات يشعر بإحساس الضحية المخدوع، عدا عن تأثير الحرمان والعوّز الذي
أصاب الكثيرين...، أما التداعيات الاجتماعية فقد اتسعت رقعة الفقر بشكل كبير
وانضمّت الطبقة المتوسطة إلى صفوف الفقراء، كما انتشرت البطالة وظهرت مهن جديدة
تمت الإشارة إليها، وصار هناك تحوّلات طبقية عند أصحاب الرواتب بالدولار ومستلمي
حِوالات المغتربين فارتقوا إلى طبقة فوق المتوسطة.
أما التداعيات السياسية فلم تتغيّر كثيراً، فلله
الحمد الفاسدون زادوا فساداً!! اللهم إلا بعض الجماعات السياسية التي ظهرت حاملة
لواء محاربة الفساد التي لا تنتمي أبداً إلى أجندات خارجية!!، فبعد أن لعبت دورها
التمثيلي ببراعة أصبحت بقدرة قادر منصهرة مع أخوتها، وكفى بذلك الله المنافقين
القتال!!
لكن هناك من استيقظ من حالة التخدير السياسي وكفر
بأهل السياسية جميعاً، ومنهم من كفر جزئياً، كما وهناك من اشتد ولاؤه ربما لمصلحة
أو أخذ جرعات تخدير أكثر أو لمنفعة، والله أعلم...
كان هذا ختام الكلام فقد سطرّتُ فيه قليلاً من
كثير، واستندت إلى رأي ورؤية شخصية، ولا أعمّم مطلقاً إنما هي توصيفات عامة لظواهر
نقلتها من المُشاهدات الواقعية إلى الكتابة، وإن بدا في الطرح عبارات أو توصيفات
قاسية، فهي ليست نابعة إلا من فرد من هذا المجتمع هَالَهُ ما رأى من عجيب السلوك
وغرائب الأمور أثناء أزمة رمت بالأقنعة عن الوجوه، وما زالت مستمرة والمفاجأت
المنتظرة تحبس الأنفاس!.
والسلام
