الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية

 

الكاتب والغربة

- من الواقع الفكري والأدبي ...

 للكاتب اللبناني حسن محمد مدني

 

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني
صورة الكاتب اللبناني حسن محمد مدني

يخيّل إلى المرء الذي يعيش في وطنه وتحت كنف مجتمعه، أنه يشكل جزءاً من الكل، ولكن عندما يحّل ضيفاً على الغربة يدرك أن وطنه يعيش بداخله وينطوي بين جنباته، فيغدو مزاراً يأوي إليه كلما دعاه الحنين، ويكون له مع كل زيارة حكاية يقصّها حسبما يرتأي من بيان، أو يأتي بصنيع يتناسب بما سُخِر له من فعل.

وكما هي أعراض الحُمَّى تماماً هي أعراض الغربة، من ارتفاع حرارة الحنين والاشتياق إلى جغرافيا بعيدة، وتذكر مرابع الصبا والشباب وأماكن يظل يستنشق رائحتها ويرى صورها أينما نظر... وحيث يمكث فإنه يعقد جلسات مسائية منفردة لا تخلو بمعظمها من استحضار أرواح أناس وأحباب يجلبهم بهمهمات مبهمة مستمدة من عزائم الهذيان، فينفق أوقاتاً وهو يتحسس ملامحهم في حالة سرابية، ولا يفلح الماء المنهمر من عينيه في اخماد نيران الشوق والحنين المشتعلة.

هذا حال طائفة المغتربين إلا من شذ وندر، بيد أنه ثمة تميز عند جماعة منهم تنحو نحواً مختلفاً من جهة التأثر والتأثير والانعكاسات الابداعية الناجمة عن التفاعل، إنهم أهل الأدب والفكر من كتّاب وأدباء وشعراء...

شخصية الكاتب والغربة:

كلٌ منّا يحوي داخل أعماقه عوالم مستترة قوامها قصص وحكايات وقدرات ورغبات...، وتسكن بين جدران أنفسنا مشاعر وأسرار وترديد غير منقطع لأصداء وكلمات، تتباين وتتشابه بين شخص وآخر.

إلا أن جماعةً هم محل اصطفاء، إذ يسطرون ما يوحى إليهم من عوالمهم السحيقة على ألواح مقدسة بأحرف تشكل خطوطها باستقامتها وتعرجاتها دروباً لمن يؤثرون المسير حباً واقتناعاً، والطرح الأدبي والفكري لا شك أنه يلامس الناس الذين يتقاسمون الحياة بتجاربها مع الكتَّاب فيؤمنون بما يتوافق وينسجم، ويكفرون بما يتعارض.

ويحظى الكاتب دون سواه وأعني المبدع لا منتحل الصفة!! بأنه يحمل ملَكة فطرية تأبى له إلا التميز والاستثناء، ويمكننا أن نلاحظ تجلياتها في صدق وابداع ما يطرح، وما يترك من بصمته ذات الخطوط المرتسمة من هواجسه الداخلية التي يتعذر عليه مقاومتها أو حتى فهم مكنونها، وهو المهيأ ليرى ويحلل وويطرح ما يتخطى الأفهام السائدة لتُدرك بعد أشواط زمنية قادمة... إنه صاحب شخصية شديدة التركيب والتعقيد ففيه دهشة الأطفال وعنفوان الشباب وحكمة العجائز وقسوة الجبابرة ولين الرحماء...، فضلاً عن رؤيته للمألوف بشكل غير مألوف وربما يرى المستهجن أقل من عادي!...

ويعزى للغربة الفضل في اخراج إبداعاته وتميز انتجاته لأنها بلا شك ذلك المخفز الأكبر له، بحلوها ومرّها، فهي أولاً وأخيراً تجربة يخوضها الكاتب ويكون متخبطاً ما بين انسلاخه عن واقعه الأصلي وبين بيئة جديدة عليه، وكما ذكرنا من اختلاف تركبية شخصية الكتّاب من قبيل المشاعر الجياشة والعمق الروحي والرؤية المختلفة.. إلخ، فإن تعامله مع واقع جديد، أو حتى التعبير عن كوامنه تكون بإحساس مختلف ونمط مغاير، وما ينجم من مخرجات استثنائية إذا ما تعرض لموقف أو تجربة وإن كانت عادية!!

مكان الغربة في أعمال الكاتب:

تدخل خيوط الغربة بألوانها الجغرافيا والاجتماعية والثقافية بنسب فيما يحيكه الكاتب في صنيعيه الأدبي والفكري، وهذا مُسلَّمٌ بفعل الاحتكاك بعناصر الغربة والانصهار السلوكي وإن كان ظاهرياً، ومن أصعب الصعوبات ان يأتي الكاتب ويركن الغربة جانباً ويستقل عنها كآلة!!، فكيف وهي المخرج لمكنوناته ويتأثر نسبياً بسطوة ما تفرضه من قوانين وعادات وتقاليد، وفيها يتعرض لشتى المواقف ويقيم المقارنات ويرصد الاختلافات، فهي داخلة حتماً في انتاجه،  ولكن الكلام حول عمق تأثيرها وما تسفر عن مخرجات.

وبطبيعة الحال فإن أي مكان يحل عليه يلزم منه التعايش والتفاعل، والغربة مكان والوطن مكان مع الفارق، فنرى الكاتب عندما يعود إلى وطنه يكون ليس كالذي غادر!! ويتجلى ذلك في انتاجه الأدبي وحتى في شخصيته، وحري بنا أن نؤكد بأن لكل تجربة حاكميتها التي تقع بأثرها على من يخوضها، فالعلاقة بين الكاتب والغربة أشبه بعلاقة زواج مفروضة قائمة على واقع قوامه تسويات وتحديات حاكمة، ومهما حاول الانسلاخ عنها فإن أثرها واقع لا محالة، مهما قل أو كثر، وليس له أن يحيدها، وطلاقه إياها إن حصل لا يلغي أنه لم يمرّ فيها!!!

الكاتب بين غربته وقضايا مجتمعه:

لا نرى الكاتب المبدع ذلك الذي يعالج في كتاباته كل قضايا وظواهر مجتمعه، بل ينتقي بعين الاحساس تلك التي تثير اهتمامه الباطني، ليحدد اتجاه بوصلة قلمه، ويكون منقاداً إلى ما يمسه ويؤثر فيه، دون أن يكترث إلى غير ذلك حتى لو كان محط انشغال الكثيرين! ولا ندل عليكم أنه من غير المستحب أن يوجه الكاتب مسار قلمه باتجاه يخالف دوافعه الداخلية، كي لا يخرج من هالة الابداع وينحصر في دائرة التوصيف النمطي والتحليل الجاف، وأياً يكن مكان وجود الكاتب فأنه هو من يحدد مدى بعده وقربه من قضايا مجتمعه، أو أن ينقاد إلى قضايا غربته!!

إن معايشة الكاتب لواقع مجتمعه وملاحظة ظواهره بالرؤية المباشرة، تضمن له التوفيق أكثر بمخرجات أدق سواء أخرجها بقالب خيالي أم دونت بحبر الرؤية التي تسمّى «موضوعية»، وعلى الرغم من اسهام هذا الأمر في رسم صورة أجلى للواقع، ذلك لقرب الكاتب منه، إلا أنَّه لا يخفى مدى خطورة المعالجة وبما ستؤول إليه من ارتسام صورة الطرح في اذهان المتلقين. وهذا يبين عظيم المسؤلية الملقاة على عائقه ومدى خطورة دوره.

وأما الكاتب المبعد عن واقعه حيث الاغتراب، فالمسؤولية أشد فإننا قد وضحنا حاله من حمَّى الحنين واستحضاره لكل ما يمت لوطنه بصلة، فغير بعيد أن يرى ما يهمه من نافذة انفعالاته ويرمقها بعين الحميمية، فلرّبما يتناول بعض قضايا مجتمعه بتطرف انفعالي أو أن تغيب عنه بعض التفاصيل لبعده عنها، وقد يفرط في التناول فتصبه تخمة الطرح، ومهما كان ابداعه بفعل الجانب الروحي الذي يسخره في تقنيات الطرح، فإنه مطلوب منه أن يسترق نظرة التجرد اثناء تحديقه بنظرة العاشقين الطويلة.

... ويمكن ان يكون البعيد عن العين بعيد عن القلم، وهذا غير مستبعد فيمكن أن يجد الكاتب نفسه منشغلاً بقضايا تثير تساؤلاته ودوافعه فيعمد إلى تناولها ومعالجتها، ويؤثرها على تلك التي خلفها وراءه.

أين يبدع الكاتب أكثر؟

تتخبط المعايير في تحديد أين يبدع الكاتب أكثر، وهناك أراء ومذاهب متنوعة فمنهم من يقدم نماذج لكتَّاب ابدعوا أيّما ابداع في أوطانهم، وآخرون يستدلون بكتَّاب بزغ ابداعهم في الغربة، وأما الابداع فيلزم له حافز كي يتجلى، فالكاتب صانع الإبداع لا يمكنه فعل ذلك إلا بتفاعله الشديد بكل جوارجه وانفعالاته ومشاعره مع طرحه ويسخر له كل امكاناته،  وكلما كان تفاعله أقوى يستحيل ذلك اشراقات ابداعية، سواء أكان في وطنه أم كان زائراً على غربته.

والابداع في الغربة حكاية أخرى، فتسهم تجربة الاغتراب في تفجير ما حوى جوفه الممتلئ من التعلق والحنين لوطنه، من شؤون خاصة إلى قضايا مجتمعية... التي تشكل هويته الشخصية، وبما أن الغربة أفقدته بعض محتواها، فلا يجد بُدّاً من تسخير كل قواه الفكرية وإعمال الخيال وتوظيف تقنيات الطرح ليخلق ابداعاً يعوضه عمَّا نقصه، لذلك فإن ابداع كتاب الاغتراب يكون ملحوظاً أكثر في كثير من الأحيان ومرد ذلك إلى جهود الكاتب نفسه، فضلاً عن أئر التجربة عليه.

أثر الاحتكاك الثقافي على انتاج الكاتب:

لكل مجتمع هويته التي تنضوي تحتها ثقافات مكونة من عادات وتقاليد وأعراف وممارسات فردية وجماعية... إلخ، والكاتب المغترب هو الذي يحمل على اكتافه ثقافات مجتمعه، وعندما يحل ضيفاً على الغربة، ويجد نفسه فوق أرض جديدة وبين أناس تحمل ما يختلف عنه وينتمون إلى هوية مغايرة، فلا شك أنه يقع في صدمة الالتقاء التي تسفر عن ارتجافات تغير الاجواء الثقافية، والكاتب صاحب التركبية المختلفة أصلاً، من حيث نمطه التعلقي الانفعالي ورهافة الحس والمزاجية الخاصة، والذي يعتريه على الدوام الحنين إلى الجذور، فالتخبط مع تجربة جديدة تحدث فيه تغيرات لا يستهان بها، وأهم ما يشهده هو صعوبة الانصهار مع الواقع الجديد، فيهرب ويلوذ بما انصهر في أعماقه، حيث وطنه القابع كما أسلفنا في ولادة الكلام.

ومما لا شك فيه أن تجربة التلاقي الثقافي والمعايشة لمحيط مغاير لها انعكاسات روحية وجسدية جليلة، تصنع لدى صاحبها مفاهيم جديدة ونظرة محتلفة باختلافات المعايشة، ومهما كانت التجربة، فمن المحتوم أنها تزيد من معارف الكاتب وتفتح له أبواباً تكشف له مجهولات كانت خافية، ويكون ذا حظ عظيم من يستطيع ان يستثمر من جديده دون التفريط في قديمه وان يمزج ما بين الثقافات ليشكل خليطاً أدبياً ابداعياً شاملاً وغنياً.

وهذه ميزة تحسب للغربة مهما كانت معاناتها، فإن الضوء المتأتي من شرارات الاحتكاك ليس هدفه فقط اشعال ما زرعت فيه من اشواكها!! لكنه على المقلب الآخر يضيء له ما حَلَكَ عليه في عتمات ما كان ينقصه ويجهله.

وعلى قدر ما تزيده التجربة من معارف ونضوج، يصبغ على انتاجه.. وكلما تزود زاداً جديداً، كان ضريبة يدفعها ليحصّل تعويضاً بعد شقاء الانفاق. وتجربة الغربة هي حياة إضافية تنبثق من حياة، وولادة ثانية في حياة من يخوضها.

ملحق:  عندما يكون مجتمع الكاتب غربته ومنفاه!!     

من ذا الذي يسلط ضوء قلمه على قضايا واقعه، ويسبر أغوار الناس ويظهر كوامن سلوكهم، غير الكاتب!!، فتطفو فوق بحره الأبيض كلماته الكاشفة بعد لملمتها من زجاجات محكمة الاغلاق رمى بها أصحابها غير المرحبين بإظهار محتواها.

والناس بمعظها كارهة لمن يكاشفها منصرفة عمَّن يصارحها، ولا نغالي إذا قلنا إنها منتقمة ومدمّرة للذي يزوغ عن سربها ويهدد مسارها... فضلاً عمّا زُرع فيهم من الرفض لكل ما هو مختلف ومغاير على مستوى الأفراد والأشياء، ويشدُّ من أزر تمسكهم بما يملكون ويصنعون، إيمانهم المتوارث بصوابية تَرِكة أسلافهم من العادات والتقاليد والعقائد إلخ ... التي تشكل إرثهم الثقافي الذي سوف يوّرث للآتين بعدهم، وليس بيننا من يجهل أن هناك استثماراً للتركة مع قوافل الثقافات الأخرى فيأخذون من بضاعتها ما يناسب ذوقهم الثقافي، ولسنا هنا بصدد ذم مجمل التركة أو أن تعيب بضاعة القوافل كلها!! بل نرمي إلى ما ساء من الموروث وبعض البضاعة الرديئة!! وهذا تماماً ما يرمي إليه الكاتب ويعمل جاهداً أن يبينه، والمضحك المبكي أن الناس تعرف جيداً مواطن الحّسن والقبح في مماراستها، ولكن عن الاعتراف بقبحها يتغافلون.

والكاتب لا يروق له أن يذعن بمجمل ما تسالم عليه القوم، ولا يقر لهم بصحة ممارساتهم كإقرار العبيد، وهذا ربما يؤول به إلى مغبات غير سارة أبداً!!

وهذا حال من يغترب في مجتمعه حيث إنه يعاقَبُ على اقترفه بيان ذنوبهم والكشف عن مساوئ واقعهم، من جهل وتبعية وبيان ما لا ينبغي لهم من سلوك، ولا يغفر له ما قدمه من معالجة ولا الغاية النبيلة الدافعة له...

وتختلف طرق نفي الكاتب داخل مجتمعه بين مجتمع وآخر حسب نسبة حماقتهم، فهناك من ينفيه نفياً ناعماً كما هو حال بعض المنظمات السياسية التي في عيني سفاحيها براءة الأطفال! وآخرون لا يجيدون التمثيل فيقذفون به خارج السرب أو يطأون عليه علانيةً. وكم من كاتب رجم بأيدي لا تقبل السيوف أن يتلوث حدّها بنجاسة المسّ بها، وكم من جماعة داست ثمار كتّابها بأرجلهم العفنة.

وجدير أن نذكر أن كثيراً من الكتّاب عاشوا منفيين في أوطانهم، ودفنت أعمالهم داخل أدراج مكتبهم، بعدما انهال عليها غبار الدهر وصارت أوراقاً منسية.


صفحة الكاتب اللبناني حسن محمد مدني على facebook


 



 

 


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق