الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية

 

الشعب يعشق معذبيه!!

مقاربة من وحي (متلازمة ستوكهولم)([1])

من الواقع السياسي اللبناني..

للكاتب اللبناني حسن محمد مدني

صورة الكاتب اللبناني حسن محمد مدني

المخطوفة وإثارة الموضوع:

بعد شقاء يوم طويل في بلد الأشقياء، وصلت إلى البيت ونفضت عني أعباء الخارج، طالباً الراحة كظمآن يطلب شربة ماء في صحراء الانشغالات والالتزامات الجافة، وبعد وقت أطارد فيه النوم لامسكه ولم أفلح، رميت بنفسي على راحات مقعدي بصحبة كوب من القهوة ذلك الصاحب المؤنس دوماً، وأشعلت الصاحبة الأخرى التي فرض الهوى أنسها!!، وحتى أجاري أجواء الاسترواح أضأت «التلفزيون» وأخذت أقلب بين القنوات بسرعة عقرب الثواني، مما زاد ضجري، فلم تكن لدي رغبة إلا بانفاق ما تبقى من ساعات اليوم، وما وددت لا القراءة ولا الكتابة لانصراف مزاجها عني، وبينما أنا أعبث مع القنوات أستوقفني مشهد لفتاة أجنبية عليها صفعات بؤس متطفلة، ذلك كان واضحاً من خلال قراءة وجهها البازغ كشمس صباح حجبتها بعض الغيوم الملبدة!!، فاستقمت في جلوسي كما أمرت من الفضول ورميت جهاز التحكم جانباً لعلّي أرى أي خطب حل بها، ثم بدأت أرقب قافلة الأسئلة التي طال مرورها وتتبعت آثار إجاباتها لأكتشف خبايا حالها، والتي عندما بينتها كانت كأنها تسرد أحداثاً مستوحاة من الأفلام الخيالية.

فقد كانت تلك الفتاة ضحية خاطف غريب الأطوار، حيث كان يستغل دهاءه ووسامته للايقاع بضحاياه واستدراجهن إلى منزله، تلك الوسامة التي خبأت وراء حُسن قسماتها تجاعيد شيطانية.

وكان يسجن ضحاياه في منزله المنعزل عن العمران والمجهز لهذا الغرض، حيث بعض غرفه العازلة للصوت والنوافد المرتفعة والسور العالي، وكانت تستمر عمليات الخطف لفترات طويلة وتنتهي عند فراغه من ممارسة شتى صنوف التلذذ والتعذيب وبعد أن يكتفي، يكون مصيرهن تحت تراب حديقته الذي يتمشى فوق عشبها باختيال، ويتنشق روائح ورودها الممتزجة بروائح أرواح هامت في عشقه دون أن تدرك!!

والقدر جعل هذه الفتاة آخرهن دون أن تشهد ذات المغبة، ليس لأنه أطلق سراحها بل لأنها استغلت فرصة من فرص كثيرة هيأت لها الهرب وقد فرطت بمعظمها، إلا أنها تمكنت من الفرار وقامت مسرعةً بابلاغ الشرطة، وقبضت عليه عند وصوله إلى منزله الذي غادره لقضاء بعض اشغاله، بعدما استقرت في نفسه الطمأنينة باستسلام الضحية لواقعها، وأنها كعادتها ستكون بانتظاره مستندة في جلوسها إلى زاويا غرفتها المظلمة ذات الضوء الخافت كما أحب أن يلقاها.

أما بداية خطفها ولا سيما اللحظات الأولى فقد كانت مرعبة جراء هول الموقف وما لاقته من التعذيب حتى يتسنى له إحكام سيطرته عليها، واستمر في ذلك لأيام ما بين ضرب واغتصاب وقد حبسها في غرف مظلمة عازلة للصوت وقدم لها الطعام السيء، بيد أن كل محاولاتها لرفض هذا الواقع كانت تقابل بمزيد من التعذيب فاصبحت متهالكة وخائرة القوة.

وبتأثر شديد كان يصغي إليها المحاور بعينتن لامعتين، ثم سألها بنبرة مخنوقة متقطعة، وما بعد ذلك؟

فأجابت بأنه بدأ مرحلة فيها بعض التساهل تارة بالترهيب وأخرى بالترغيب.. على مبدأ حسب أفعالها تلقى النتائج.

وكان يقدم لها العروض لتتساهل معه من قبيل إذا جارته في ممارسة الجنس سيقدم لها الطعام الجيد أو يخلو يومها من التعذيب، وعلى الرغم من احتقارها لنفسها بأن تخضع، إلا أنها لم تجد بداً من تصنع القبول ذلك لتجنب ما أشد وأعظم، ومرت الأيام وتنازل يجر تنازلاً ومدارة هنا وتمثيل هناك حتى سلمت لواقع محتوم، فبدأت شيئاً فشيئاً تشاركه في أعمال المنزل لقتل الملل! أو كرشوة ليخفف عنها العذاب، ومع الوقت كانت شبه تسوية بينهما حتى وصل به الأمر أن جعلها تتمشى في الحديقة غافلة بمن يرقد تحتها!!

وأصبحت ممارسة الجنس اعتيادية وربما تخلَّلها بعض المتعة، وأصبحت الأعمال المنزلية متقنة فقد كانت تنظف أقسام البيت مرة في اليوم وتخص الحمَّام بمرتين!! وكان الاعتناء بحيواناته الأليفة أمراً لا يقبل التهاون.

ومرَّت شهور وهو يأخذ ثمن فرض حربه الناعمة... وممّا صرحت به وهو من عجائب التأقلم مع الواقع، أنها كانت تسدي إليه النصائح بخصوص عمله وبعض أموره..

هنا وكأن ما حل من لمعة في عيني المحاور تلاشت وسكنت مكانها نظرات حائرة ومستغربة، ثم وضع يده على سماعة الأذن ليتلقى تعليمات من الاخراج وبعدها نظر إلى الفتاة وقال أنه تلقى نبأ وفاة خاطفها منتحراً.

فما كان منها إلا أن بهتت وتبدل لون وجهها وأنعقد لسانها، ثم سقطت مغشياً عليها، فأسرع من حولها إلى إسعافها حتى استعادت وعيها بعد لأي، فاستقامت على مضض وجلست تزرف الدموع!!

في الحقيقة الأمر كان اعلان نبأ انتحار الخاطف وعلى الهواء مباشرة أمراً مقصوداً ومدبراً، أو قل كان لاختبار فرضية وضعت لبحث في علم النفس التطوري لمعرفة ردة فعل الضحية بعد الخطف، للتأكد إن كانت تعاني من هذه المتلازمة، ومما لا بد منه أن تجرى على ضحية حقيقة عاشت الخطف بتفاصيله الكثيرة، ذلك لضمان نتيجة الاختيار.

ولم تكن صدمة الحضور بأقل من صدمتها واستغرابها نفسها من حيث الذهول والسلوك الغريب وغير المنطقي الذي قامت به، مما يستوجب معرفة ما وراء هذا التصرف وعلى الملأ، وهنا بدأ المحاور بصب بارد الكلام لخمد جذوة صدمتها حتى يتسنى له اظهار ما خفي.

ثم طلب منها تقديم تفسيرٍ حول تصرفها الغريب الذي كان مستبعداً كل البعد عمّا يجب أن تتصرفه إزاء من أذاقها المرارة صنوفاً وألواناً... وتلا عليها مختصِراً ما مرت به حسبما روته مع اصراره عليها بأن توضح له وللمشاهدين وأتاح لها الاستفاضة في ذلك...

فردت بحيرة المصدوم وقالت أنه لم يكن يطرق باب احتمالاتها ويخامر ذهنها أن خاطفها سيشهد هذا المصير وأن ينهي حياته بنفسه، واصفة إياه بصاحب الجبروت وأنه كان مريضاً بعشق ذاته ومتمسكاً بالحياة وملذاتها، حتى أنه كان كثير الوسواس بشأن صحته ولا يختار إلا الأطعمة الصحية والنافعة...

وأطالت في هذا الاسهاب هاربة من التجرئ ببيان ما اختلجه قلبها من تعلق به وربما عشقها له (التعلق والعشق المرضي) وهنا كان حرياً بالمحاور أن يستخدم ذكاءه لاستخراج حقيقة مشاعرها تجاه الخاطف، فقاطعها وقدم لكلامه بديباجة ناعمة حتى يُخرج حقيقة ما تشعر به... وقد كان له ذلك، فقد استرخت وهبطت عليها سكينة وغرقت في شرح هادئ كأنه الوحي، حتى ساد جوٌ كأنه فضفضة بين صديقين حميمين، ثم أخذت تبرر أفعاله وما أن تذكر له منقصة أو فعل مشين حتى تردفه بما تحسبه مبرراً أو فعلاً حسناً، والمحاور يسدي إليها بنظرة الإطراء المصطنع ولا يقاطعها ويومئ لها أن تكمل.

وأعربت عن وجهة نظرها بأن المآسي التي مرّ بها خاطفها هي ما دفعته إلى الجنوع نحو ما صنع، وبدأتْ تلقي اللوم هنا وهناك، ولم يسلم أحد منَ التقصير منْ أهل وحكومة ومجتمع... وكأنها أرادت لأهل الأرض احتضانه!!، فضربت بمطرقة النهاية ونطقت بحكم مع وقف التنفيذ بعدما ساقت له ما شاء الله من اعذار تخفيفية، فطأطأ المحاور رأسه من سأم ورفعه مودعاً المشاهدين، وتمت إحالتها إلى المتابعة النفسية.

وقد ارتسم في ذهني إذ ذاك، مشاهد لأناس ومواقف منها ما شاهدتها ومنها ما سمعت عنها، وبدأت أربط تلقائياً بين المواقف وأعراض المتلازمة، وشعرت بمس من الادراك القوي بمدى حضورها الشديد وبشكل مخيف في مجتمعنا، وما أكثر المصابين بها وهم عن حقيقتها غافلين. 

ومهما يكن من اختلاف بين حوادث الخطف التي تتجلى فيها أعراض المتلازمة بامتياز وبين واقع ربما لا نلاحظ فيه الأعراض بوضوح، فإن دققنا النظر وامعنا وتتبعنا التفاصيل ورصدنا السلوك، لوجدنا حالات خطف كثيرة ولكن دون قضبان وغرف مؤصدة، وإنما بنمط يحدث بين خاطف وضحية يشبه بيئة الخطف من أوجه عدة.

وهذه المتلازمة تصيب الأفراد بنسب متفاوتة تبعاً للحالات والظروف ... والأمثلة كثيرة، فكم من رجل عشق معذبته ومكث في سجنها رافضاً فرص إخلاء السبيل، وكم من امرأة وصلت الى مبلغ التعلق والجنون بشخص أسقاها المرارة من جداول راحتيه، وهي تشرب كرهاً وتلذذاً، وكم من صاحب ارتضى لنفسه أن يكون مهاناً على طول الخط من صاحبه وهو يمتص الاهانة والاستغلال بإسفنجة الحلم والعفو حاسباً أنه أوتي الحكمة والصفخ الجميل!! وكم من موظف أو موظفة تمسكا بعمل لا يجلب لهما إلا المذلة وشبه الاستعباد.. والأمثلة تطول!!

ولمعرفة الضحايا فليس بالأمر العسير، علينا فقط أن نرى ما يمثل لديهم جلادهم أو من يسيء إليهم، فسوف نرى منهم من يختلق الأعذار والمبررات على طول الخط ويرفض أي مساس بجلاده!! وآخرون لم تصبهم هذه الهبالة المطلقة فنراهم يعربون عن واقعهم بموقف صلب وبصوت أجش نحسبه النفخ في الصور رافضين واقعهم وساخطين على جلادهم ولكن بما لا يتعدى حدود تفريغ شحنة الغضب والاستياء الادواري، ثم ينكصون إلى سابق عهدهم «كحلمية»!!

واقع اللبناني المرضي وأوجه الشبه مع أعراض المتلازمة:

يعتقد الكثير من اللبنانين أنهم أصحاب استثناء ويرون في أنفسهم التميّز والاصطفاء على من حولهم من الشعوب المحيطة، ومنهم من يرى أبعد من ذلك!، وهذا الاسئثناء حلَّ بهم حتى في علاقتهم مع زعمائهم أو قل معوذبيهم، فكانوا بحق حالة فريدة ربما تفوق بسوئها حال الفتاة التي تحدثت عنها آنفاً، فهم ضحايا والأعراض بيّنة كالشمس في رابعة النهار...

وأما جلادوهم فهم أهل السياسة الذين يمثلون الأحزاب المهيمنة التي منها الحكومات والمعارضة (المعارضة المفبركة - وبرأي يلزم توخي الحذر ممن يدعون المعارضة والاستقلالية لاختلاط الحابل بالنابل ... واشتراك الكثير في اللعبة السياسية المرسومة).

 وواقع تعذيب الضحايا يتمثل في إمساك يد السلطة بالسوط وانزاله فوق ظهورهم على مدى عقود، ومع الوقت  فقد تأقلموا وما عادوا يشعرون بالألم وتخدروا وأضحوا يظنون أن ما يلامس ظهورهم ليس إلا أيادي زعمائهم التي تربت عليهم بحنو...

وأيُّ عاقل يرى مجريات الحكم في بلادنا سيظل يضرب كفاً بكف ممّا يحضره من تساؤلات حول تداخل الأمور وتضاد السلوك وتشويش المنظر، وذلك بأن الأفراد في لبنان لديهم تركيبة شديدة الغرابة والتعقيد.. فلا يمكن القول أنهم كحال بعض الشعوب المجاورة التي تعاني من القهر والعبودية الحديثة والاستبداد المباشر.. ففي لبنان  قسط وافر من الحرية الشخصية وحرية التعبير أو قل حرية التفريغ والفضفضة وحتى التطاول على الجلاد مسموح!! .. وغير ذلك أنهم اخذوا من الغرب موضة السلوك وبعض الأفكار السياسية، فضلاً عمّا عُرف عنهم من الانفتاح وما يظهر عليهم من التحرر والتمرد.

فهم يحييون حياة مزيجها الأضداد يصعب على ناظرهم أن يجزم بأنهم ضحايا وتحت وطأة حكم مستبد وقامع خصوصاً أن طابع الحياة السياسية يخيّل أنه قائم على الديمقراطية وحرية التعبير بأشكال متعددة... إلخ، وزيادة على ذلك أن ظاهر زعمائهم (الجلادين) لا يوحي بحقيقة أمرهم فالأمر اشبه بحالة استبداد وطغيان ناعم وتعذيب صامت!! وصدق اللبناني حالما بيرق بغضبه ويرعد بسبابه بحق أهل السياسة ثم يفاخر قائلاً: لا يوجد نظير لنا نحن اللبنانيين!! وأنا أقول صدقتَ.. فما عُرف كأمثالكم ولا أمثال حكامكم.

وهنا سأقارب سلوك الجلاد (السياسي) والضحية (المواطن) استناداً إلى أعراض متلازمة ستوكهولم..

سياسة التجويع:

(ذلك لتبقى الضحية أسيرة الجلاد وتحت رحمته من خلال احتكاره لمصيرها)

(جوّع شعبك يتبعك) لطالما أحب الطغاة هذا المبدأ ومارسوه، وللانصاف فإن الضحية لم نشهد مجاعة وإن شعرت بقربها، فهيهات أن يقبل أهل السياسية مصيراً كهذا لشعبهم، بل للموت طرق أخرى!!

والضحايا يتلقفون ما يرمى إليهم من الفتات الذي يكاد يسد رمقهم ولا يصل بهم لمرحلة الإشباع التام، فإن التخمة محرمة في قانون الطوائف، ويُخشى على المواطن أن يقع في المحظور فربما يسترخي ويتكاسل عن الركض وراء الزعيم أو قد ينصرف إلى أخذ قيلولة مطولة يبصر اثنائها بأحلام الخلاص الموحشة!!

لذا فقد قامت السلطات وأحزابها باحتكار الوظائف الحكومية وتخصيصها لعناصرها لضمان ولائهم والقبض على مصيرهم، كما وأنها هيمنت على القطاع الخاص بإنشائها شركات ومؤسسات لتوظيف عناصرها ومن لف لفَّهم.. ويصاحب هذا الاحتكار انخفاض معدل الأجور الذي  أخجل من ذكر أرقامه مقابل ارتفاع الأسعار (السلع والخدمات) بشكل غير مبرر، وكما هو معلوم فإن الشركات المستقلة التي لا تنتمي لأهل السلطة فإنها تداري ما هو السائد من أخواتها التابعة للسلطة، ذلك من منطلق المساواة في تجويع الضحايا، وليس من مصلحتها أن تخالِف فتُعرف بإفلاسها!!

ومن الطبيعي أن يكون الشعور المسيطر لدى المواطن هو القلق والحذر من زوال هذا الفتات المقدم له لعدم توفر البديل، فأصبح يعتبر فتات جلاده السياسي نعمة يلزم أن يشكره عليها خوفاً من زوالها، ويؤمن أن أي شيء يقدم له بمثابة مكرمة وعطاء من إضافات الزعيم غير الملزم بتقديمها أصلاً!! فأصبحت أبسط حقوق المواطن لا يحصل عليها إلا بالتوسل وبقرأة الأذكار والأدعية الحزبية، وهاهنا واقع مرير إذ ان المواطن بات كل همه أن يسد جوعه بدلاً من أن يفكر في خلاصه من المتسببين به، أو إذا أردت قل وهو الصواب، إن المواطن أصبح معتاداً ومبرمجاً على الواقع التجويعي واستساغ طعام السلطة وإن طبخ بأقدار الذل...

في المحصلة فإنه بات في حالة من الوسواس الجنوني من أن يفقد واقعه خشية أن تحل به المجاعة التي لا يسمح السياسي بحدوثها لئلا يفقد جل ضحاياه!!

اللبناني وعشق الزعيم:

(الضحية تتعاطف وتعشق الجلاد وتبرر أخطاءه مهما كانت، وتصوّر حصى تقديماته كجبال الفضيلة)

من عجائب الأمور عندما نرى شخصاً يدافع عمن يفرض عليه واقعاً يؤذيه!! وذلك بأن الفطرة تقتضي نفور الإنسان من الأشياء التي تلحق به الأذى، إلا عند المواطن اللبناني الذي يعد بحق انفراداً منقطع النظير فأنه لا يتوانى وبلا هوادة أن يدافع عن زعيمه المقدس بشتى الوسائل بداية من الكلام وانتهاء بتقديم نفسه كقربان على مذبح الدفاع، حيث أنه يعتقد بأن أفكار زعيمة مجردة عن الهوى ونطقه بها كأنه وحي يوحي. ويرى في أفعاله سيرة الانبياء والاوصياء...

والمفارقة... أنه حتى في قصص الحب والعشق فإن لعمى القلب حدوداً، والعين ربما ترى عيب الحبيب وتشجبه وتعترف بوجوده، وحتى لو كان هناك انقياد وراء المعشوق فإنه مع مرور الوقت يتقلب القلب ويفبق السكران!!

ولا يبعد أن العاشق ربما يصل به الحال إلى أن يتخلى عن عشقه إذا ما وصل به الأمر إلى تحمل ما لا يطيق ولا يقوى عليه، أو أن يفرَض عليه واقعاً مؤلماً يفوق ألم الهجر، فمن الطبيعي أن يختار أخف الألمين، ومهما حمّل طاقته فمن الوارد أن تأتي عليه لحظة حاسمة يفيض به الكيل ويتمرد وهذا أمر مشهود وواقعي.

إلا مع أهل السياسة فإنهم معشوقون من مجانين استغربتهم «ليلى» وبهتت من رؤيتهم «عبلة»  وكم تمنتهم «جوليت» فسحقاً لعشقكم الذي فاق حد الحماقة ما تخطى حده السَّماك الأعزل!!

وكما هو التوريث لأبناء الزعيم بالزعامة كذلك توريث العشق لأبناء العاشقين، عبر وسائل التنشئة العاطفية المنزلية والمؤسسات التعليمية. وهنا لا أرى جدوى من الاستفاضة بشأن التساؤل، لماذا لا يفكر المواطن في ان يجنب أولاده الواقع المرير الذي يعيشه وأن يجنبه تبعاته، ومن المعلوم أن حب المرء لولده يفوق فطرياً حبه لنفسه، فكيف نفسر زجه بأبنائه نحو مصير كهذا؟ والجواب  أنه لا يرى في عشقه لزعيمه ضرراً والأنكى من ذلك أنه يحيل ما يعيشه من مرارت ونكبات إلى عوامل لا تمت بصلة إلى المعشوق.. وآية ذلك، التوريث العاطفي المصاحب للتوريث السياسي المتعاقب.

نظرة أهل السياسة إلى ضحاياهم:

(الجلاد يتلذذ بتعذيب الضحية والسيطرة عليها ولا يضمر لها سوى مشاعر الاحتقار)

ينظر الجلاد (السياسي) إلى الضحية (المواطن) بعين نحسب أن في بريقها لمعة الحنان، وترتسم على صفحة وجهه ملامح التمسكن والبراءة، تلك الصفحة التي  حجبت صفحات رسمتها يد الشيطان، ويتكئون على أريكة قوام حشوها اشلاء الذين قضوا في صراعات زجوا فيها ضحاياهم، إذ ان الجلاد يهوى مشاهدة أفلام صراع الأخوة وتشكل أهم تساليه الممتعة لِما فيها من طابع يعتبره «كوميدي» يثير قهقهاته طوال المشاهدة في قاعة الظلام.

والسياسي (الجلاد) غارق في نشوة لا تنفك عنه وشعور بالتلذذ يزداد بتزايد ذله لشعبه .. وحق القول عليه أنه كالقاتل المأجور الذي كلما زادت ضخاياه كلما تلذذ أكثر، وكلما شاهد تضرع ضحاياه وتذللهم إليه كلما تلذذ وطغى وتجبر..

ولا من شيء ينفع لا صرخات العجائز ولا مطالبات المستضعفين، ولا تأمله في وجوه الأطفال الذي لا يرى فيهم إلا ضحايا قادمين، وحدازِ أن يخطر ببال أحدكم أن الواقع المأساوي وآهات الناس وأوجاعهم يمكن أن يحرك فيه ذرة من الشعور بالشفقة أو أن يتعاطف فلا وألف.. فهذا بالضبط هو الحال الذي يروق بعدما تم أستئصال ضميره على يد جراحين أجانب مهرة!!

اللبناني «الضحية» يرفض الخلاص:

(الضحية ترفص وتنبذ كل من يسدي إليها النصائح بشأن الخلاص من جلادها وتقابل هذا السلوك بكره الناصح وربما يصل الأمر إلى إلحاق الأذى به)

ذاب المواطن في واقع فرضه أهل السياسة عليه وغدا ضحية مغلوباً على أمره كما أرادوا  له، فأضحى مسلوب الإرادة ومسيّراً تحسبه دمية وهي منه براء، فإنها جماد لا تُلام  كيفما حُركت، وإنما يقع اللوم على من يعي ويعقل ويرفض أن يبدل واقعه بل وحتى أن يُناقَش في افتراض وجود جلاد أصلاً!! 

والمفارقة أن المواطن «الضحية» يمكن أن يمارس دور الجلاد على من يكشف له حقيقة واقعه ولو بمجرد التلميح حيث لا مساس بالمقدسات السياسية ورموزها...

 وأبعد من ذلك أنه يرفض أي يد تمتد إليه لانتشاله، ولا يمانع بأن يقطعها ويهرع إلى يد زعيمه ويُعْمِل فيها التقبيل. 

كيف السبيل إلى الخلاص؟

غنيٌ عن الذكر، مقدار حجم الأزمة ومدى استفحال المرض بين المواطنين (الضحايا)، والذين يزعمون أنهم من أهل العلاج أكثرهم مرضى من حيث لا يشعرون!!

والعلاج إنما يكمن في المواطن المريض نفسه، الذي يجب أن يعترف بأنه مصاب بأعراض الضحية وما أن يقتنع بذلك وينوي بعزم على الشفاء، فإن ما بعده يكون تحت سيطرة يده، ومرحلة التشافي تخلو من الألم وإن شابها بعض الندم!!

في البداية وعند معرفة المواطن الضحية بحقيقة جلاده السياسي وما تسبب له من ألم وخسائر مادية ومعنوية، تكفل له هذه المعرفة إزالة عشقه للمسبب من داخله وواقعه ولا يراه إلا بعين الاحتقار والازدراء.

ومن التعقل بعد هذه الرؤية أن ينأى بنفسه ويمتنع عن المشاركة الحزبية والسياسية، إن كان قد تورط فيها...

وفي رحلة المواطن العلاجية عليه الإلتفات إلى عدم منح الثقة واللوذ بالمخلص الثعلب!! الذي يزعم أن بيده الخلاص والعلاج ونرى أكثرهم في مواقع مؤثرة وحضور ظاهر، وهذا غير منطقي، فهل من مصلحة الجلاد المسيطر أن يسمح لمخلص حقيقي أن يتولى معالجة من لا يطلبون الشفاء؟!! إلأ إذا كان دور هذا المخلص هو وصف ارشادات علاجية حسب إملاء الجلاد من وراء ستار.. ومهما اختلفت المسميات بشأن المخلص فلا ينبغي أن نغفل أن هناك معارضة مأجورة ومنظمات تصدع بشعارات رنانة وخداعة وتسخر لهم وسائل التواصل ويفرض وجودها بما يشبه السحر، ويمكن أن يصيب من يريد الخلاص فيتبدل جلاده بآخر.

ومرحلة الخلاص والتشافي من الجلاد هي بمثابة فكرة تبشيرية، فلا ضير أن يعمل من يريد الخلاص والعلاج أن يشارك ويننشر أفكاره بغية توعية المحيطين به من أهل وأبناء وأقران ذلك بالحكمة الموعظة المبرهنة، وأن يرمي بسلاسة الأدلة العلاجية التي تبطل مفعول المبررات الزائفة، ولا شك أنه سيلاقي مرماه الاستهجان والإنكار.. فلا بأس، عليه فقط أن يقتبس من الجنس اللطيف أسلوبهن التكراري الذي يتسرب إلى لاوعينا ويلقى لاحقاً بعض الاستجابة وذلك إما لأنه يتضمن مصلحة لنا أو لهن أو لتسكين الصداع، فلربما يلقى على المدى البعيد بعض القبول، لِما يتركه التكرار من بقايا.

وأجد فائدة من ذكر حالة عايشتها إبان دراستي الجامعية حيث كانت أستاذة استثنائية تتقن هذا النمط التبشيري وتطرح ما تؤمن به وما تطمح بأن يكون، وتعمل على تعرية الواقع المأساوي والمزري من خلال رميها بتساؤلات كصخور في مستنقعات عقول تجلد ماؤها الموروث، باستخدامها أسلوب ذكي يلجم من يريد أن يتجرأ ويشير إليها بتهمة كسر الجليد، فقد كانت ترمي ولا يُرى منها إلا كفان مرفوعتان ثابتان، كأن الرامي مجهول وهي من الرمي براء، وعلى الرغم من خطورة الاسلوب الذي ربما تحسبه خديعة إلا أنه كان موظفاً بسياق نابع من منظومة مبادئ، من أهمها الخلاص من الثقافات السلبية والممارسات الضارة مجتمعياً ولا سيما الولاء السياسي والتعصب الطائفي لهؤلاء المرضى المساكين، وإن نسيت فلا أنسى منظر أولئك الذين يتربصون لها بغية رصد زلة أو هفوة أو إثبات رمية فلا يجدوا!، مما يغيظ من أرسلهم ويثير في داخلي ضحكات غير منتهية.

والشاهد مما ذكرت أنه مهما كان المرض مستعصياً بين المواطنين فلا يجوز الركون إلى اليأس، وتجربة «الأستاذة» خير شاهد ودليل، فقد لاقت صداها عند أولي الوعي فيما تناسب من أفكار، ولاقت انكاراً صامتاً عند «الضحايا»، ولكنها حتماً حركت في عقولهم شيئاً ما، وبمعزل عن مدى صواب رؤيتها فلا شك أن أسلوبها التبشيري سيترك أثراً وما رمته من بذور سيشهد خضاراً عند من يريد الاعتناء بها.

وكلنا يعلم أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح ولا بد للحق أن ينتصر ولكن أكثر ما يؤلم حقاً هو مرحلة ما قبل الخلاص من الجلاد، التي تُدفع فيها ضربية باهظة من الأنفس والأموال، وبمعزل عن وجود حكمة لما نتعرض له فإن تفسير خباياها لست أدركه. ولكني أدرك أنه من الحكمة أن لا يحال الخلاص إلى القوى الغيبية التي هم عنها غافلون وكثير في بواطنهم منصرفون عنها، وقد تناسوا أنهم يجب أن يكونوا أحراراً في دنياهم وأن يُعملوا العقل والتدبر وأن يرفضوا الظلم ويقتصوا من الظالمين لا أن يعشقوهم ويقدسوا أفعالهم، وأرى من الحكمة أيضاً أن لا نسمح أصلاً بأن تكون هناك فترة يُدفع فيها ثمن الاستسلام لواقع مفروض من جلاد، فما يذهب لا يعوض وإن تم الاطاحة بالجلاد لاحقاً فسيكون بعد «خراب مالطا»، فواحسرتي على ما فقدنا ويا أسفي على ما سنلقى إن بقينا نعاني من الأعراض.

والجدير بالذكر أن الضحية بمكان ما تكون جلاداً، والجلاد فوقه جلاد، وتمارس  الضحية ما تتعرض له من جلد على ضحية تابعة وأقل، فالأمر تسلسلي القوي يقهر الأضعف وهكذا دواليك..

وفي الختام أرجو  الشفاء العاجل  للضحايا والزوال للجلادين.. والسلام.



[1]()   متلازمة ستوكولهم: هي ظاهرة نفسية تلمّ بالمريض الذي يُظهر تعاطفه وولائه لمن يسيء إليه أو لمن يمارس بحقه القهر والاستبداد... إلخ،  وقد تم اكتشاف هذه المتلازمة عام 1973 عندما سطى مجرمون على بنك (كريدتينايكن) في منطقة (ستوكهولم - السويد) حيث تم أخذ موظفي البنك كرهائن لمدة ستة أيام، وبعد تحريرهم وجدت السلطات أن في سلوكهم المريب ما يستوجب إحالتهم إلى الطب النفسي، لِما أظهروه من تعاطف مع الجناة وقدموا لهم الأعذار مبررين لهم فعلهم الإجرامي.... آنذاك بدأ العلماء بإيلاء الاهتمام لضحايا الخطف ورصد سلوكهم  ...،  وبعد حين من اختيار الفرضيات لحالات مرضية لديها أعراض المتلازمة، وجدوا أنها تتعدى حالات الخطف المعروفة وتتجاوزها  بصور مختلفة وأنماط كثيرة تتشابه وبيئة الخطف إلى حد بعيد، حيث تكون بين جلاد مريض وضحية مقهورة!! ذلك من قبيل الزوجة المعنفة والحاكم الجائر والمحكوم وصاحب عمل وموظف....، وتعتبر مشاعر الضحية المقهورة غير منطقية وغير عقلانية إذ أنها تستقبل الإساءة والتعنيف والظلم باستسلام تام وتمنح المتعدي التعاطف وتُقِيم له المبررات، فكم شاهدتُ غير مرة في واقعنا حالات تعاني أعراض المتلازمة!! ولا أرى من الضحايا سوى التذمر والشكوى الفارغة!! ولا أجدهم يتخذون موقفاً أو شبه محاولة لخلاصهم مما يتعرصون له!! وهذا مما شك فيه يجعل الناظر يضرب أخماساً بأسداس لإخفاقه في إيجاد تفسير منطقي  يوضح المهزلة المشاهدة.

تقع على كاهل علم النفس التطوري مهمة تفسير هذه المتلازمة، التي هي نوع من الارتباط الذي له علاقة بالصدمة، ويطرح في ذلك عدة فرضيات، منها استجابة الفرد للصدمة ثم يتحول إلى ضحية فمريض... أما شعور الضحية فيتولد حينما تكون مسلوبة الإرادة وذلك للحفاظ على بقائها أو نتيجة لواقع مرير فرضه الجلاد. وهنا تسْلِم الضحية أمرها إلى جلادها وتمتص الإساءة... وتزف له الإطراء إن قدم لها فُتات الأشياء!!

والأعراض التي تظهر على الضحية هي: المشاعر الايجابية تجاه من يسيء معاملتها - المشاعر السلبية تجاه من يحاول تحرير الضحية - اعتقاد الضحية بأن لها أهداف مشتركة مع الجاني ...

وجدير بي أن أوضح أنه لا يشترط أن تظهر الضحية بصورة الضعيف المسكين بل على العكس فهناك الكثير ممن يعانون من هذه المتلازمة يرتدون لباس الشخصية القوية!!، وهناك جلادين كثر تُرمى عليهم أثواب الوداعة!! وهذا ما يدعوني للقول: وللواقع في مرضاه شؤون!! ... (ملاحظة: استندنت فيما ذكرت إلى المصادر العلمية الشارحة للمتلازمة ثم سخرته بسياق يتناسب والطرح...).

منشورات المركز اللبناني للدعم العلمي والاجتماعي حسن مدني


صفحة الكاتب اللبناني حسن محمد مدني على facebook









ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق