الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

الكاتب اللبناني حسن محمد مدني (كاتب ومؤلف وناقد - روائي وقاص)

تعنى هذه المدونة بنشر الأعمال الأدبية والعلمية والفكرية للكاتب اللبناني حسن محمد مدني... كتابات : اجتماعية - سياسية - أدبية - دينية - فكرية

إعلان الرئيسية




بين قلاع الحكام ومقالع الثوار



من الواقع السياسي اللبناني


للكاتب اللبناني حسن محمد مدني


صورة الكاتب اللبناني حسن محمد مدني



بعد سبات عميق ... هبّت الجموع،  بوجه حكم ضارع تجذر الأرز في صلابته، واتصلت أوتاده بيابسةٍ جاوزت حدود الوطن.
فساروا غير آبهين، لهدم قلاع ناهزت بعلوها جبال لبنان، بنوها بحجارة ثقيلة، خفف العزم الطائفي حملها، وقد زادوا في تدعيم جدرانها بإغداق طين الولاء المطلق عليها، نظير أجرة  أقرب إلى السخرة، وأبعد من أن تضمن لهم عيشاً كريماً، ودأبوا خلال أيامهم الغابرة أن لا يتركوها دون ترميم متواصل، لئلا تتصدع أمام الهزات العابرة... تلك هي القلاع، حيث يقبع حكامنا...
حول هذه القلاع تظل المناسك السياسية حاضرة، مثلما حضرت أسلافهم، على غرار الجاهلية الأولى، ولكن بفروقات تتماشى مع العصر، وصنمية تواكب التطور، فهم صنعوا من حكامهم أصناماً وقدسوها.
وقد آثروا الطواف حولها برؤوس منكثة، وقدموا القرابين (الضرائب) وما شابه، بغية إلتماس رضا الحاكم وعطفه، أو نزول فرج يزيل كربهم.
.. (عبثاً) فكلما زادت القرابين زادت كثافة الحُجُب بينهم وبين أصنامهم.
.. فكيف لأصنام أن تسمع؟!!
ولكن عجباً،.. فإنها تنظر إليهم وتثني على سعيهم.
ومهما حل بهم من البلاء وزادت المحن على كافة المستويات، فهم غير مكترثين، .... ببساطة، فإن المؤمن مصاب!!
.. هيهات.. أن يُلْحِدوا بأصنامهم،.. إنه طقس الآباء وممارسته أمناً من سخطهم.
في مشهد الطواف هذا.. أنهكهم السعي، ونفذت عزيمتهم وصاحبهم دُوار مزمن أرخى عليهم خمولاً عاماً، فأسلموا لواقع تيقنوا أنه قدر محتوم.
ومن أدرك أنه مخيّر وحاول الشطط خارج الجمع، وقع أسير التردد ما بين الازدراء والنفي، وبين أن يلقى حتفه تحت أقدام الساعين.
فتكون سلامته في المسير الواعي لحين موعد الأفلات الآمن.
هكذا، وتمضي الأيام...
***
أتت الساعة... وزُلزلت الساحات، وانفجر بركان الناس، في مشهد أُسطوري لأناس بَلَغوا ما بَلَغوا من اليأس والقنوط، في بلد ما عرفوا الأمل فيه إلا في الخطابات السياسية الزائفة.
سطر التاريخ استيقاظ شعب من غيبوبة دامت طويلاً، سبق أن شخصها أهل الطب السياسي بالموت السريري المؤبد.
.. مهد لهذا الإستيقاظ... أزمات شكلت خيوطها حبلاً التف حول رقاب الناس، كان يشتد بسلاسة ويعتصرها رويداً رويداً إلى أن شعروا بدنو انقطاع الأنفاس...
... فغزت جحافل الناس  الساحات وملأت الشوارع، ومن استقر بعيداً أخذ يراقب عن كثب ويشْخَص نحو صورة، هي أقرب الى ذهنه من صور الأساطير إلى الواقع.
ساد إنحباس الأنفاس في ترقب هذه الأمواج البشرية، في بحر ألوانه ثلاثية([1]) 
علت الأصوات الثائرة وتهاطلت المطالب الغاضبة، بعبارات لا تبقي ولا تذر.
... العالم مترقب وحالة من التصديق والا تصديق بشأن شعب استفاق بعد رقاد طويل.
ولكن ما إن انقضت أيام قليلة، وبعد صراخ مضني أنهك الحناجر، حتى خمد البركان وأضحت حممه رماداً، وساد المشهد العام، تشتُت الآراء وفوضى هنا وهناك، فضلاً عن تصادُمات مع جماعات موالية لهذا وذاك، فالنشقت الصفوف وتلاشت الأصوات.
ما لبث البحر الهائج في باكر الثورة حتى أصبح في حالة من المد والجزر المطلبي في أصيلها، فتراوحت المطالب ما بين اللين والشدة، فتارة ترى هتافات ترمي إلى ازالة السلطة بأكملها وطوراً تستثني بعضهم، وثلة منهم يغنون على ليلاهم، كسفينة أضلت وجهة إبحارها في ظلمة حالكة. 
فبدأت الانقسامات وتحولت من ثورة مطلبية شعبية عفوية إلى خليط من المزايدات السياسية، وتقاذف الشعارات والاصطفافات المريبة. واختلط الحابل بالنابل.
في ضبابية الأحداث هذه، تسللت إلى أعماق المترقبين تساؤولات حول المراحل المقبلة... والبعض تراءت لهم صور الحرب الأهلية بتفصيلاتها الوحشية.
.. فما الذي حدث وكيف تغير المشهد وانقلبت الموازين، كأنما تدخلت عصا سحرية من وراء الحدود!! بمعاونة سحرة داخل الحدود!! فشُقت الصفوف ريثما تُمرر المخططات، وتعود الأمور الى سالف نصابها!!! أو أن تبتكر معادلة أخرى تخضع لسيطرة من  بيدهم زمام تحريك الدمى على المسرح السياسي.


مدى استعداد الشعب للثورة؟

يتغذى الكثير من اللبنانيين على ثمار  أشجار النرجسية الطائقية والمناطقية، التي أسدلت بظلالها عليهم فأضحى السلوك الجمعي يتبلور في إلغاء الآخر والتشبث بالرأي، والأنانية الفردية المتفشية، يصاحبهم صعوبة التأقلم مع المختلف والتوجس الدائم منه، فضلاً عن تقديس وجهات النظر والنظريات المستوردة.
.. فهل بالإمكان، كما يتمظهر لنا، أن يتبدل حالهم بين ليلة وضحاها، وتتوحد وجهات نظرهم ورؤياهم وتسود المحبة بينهم، وتذوب خلافاتهم وتسيل بين أقدامهم حتى يمتصها الثرى، لتختفي كإخفاء تساقط مطر عابر.
.. وكيف لأناس خلت أرض عقولهم من بذور فكرية وعقائدية تمهد لعملية التغيير، فيلزم أولاً أن تغرس بعناية وتسقى مع الأيام بمقدار يتناسب وتربة استعدادتم المختلفة، لتخرج الثمار المرجوة، حتى يتسنى حصادها لاحقاً.
فلا بذور ألقيت، ولا يُغني الحصاد في أرض الطائفية الجرداء.
***
... الأمر متعلق بالثمار حقاً، ولكن تلك الثمار التي تملىء البطون الثائرة الخاوية، ولا ريب أن الجوع يحرك الجموع، ليلتمهوا كل ما تقع عليه أيديهم، وبعد الشبع تأتي القيلولة المطولة!!!
وإن حكموا، يلزم التذكر دوماً بأن حكم الجياع يؤدي إلى التهام ما تبقى على مائدة الوطن، من فتات قدامى الجياع.
الثورة.. وفرصة الأحزاب والحركات المهمشة في إعادة التقاسم مجدداً
*** هو تساؤل ضمن تساؤلات عدة تأتي تباعاً.
.. جراء ما لُوحظ من ضبابية وغموض حول من يحرك دفة الثوار والمنظمة المتبنية لها.. فضلاً عن مُجراة الشارع لجهة تطورات الأحداث من حيث التصعيد والتراجع... فالمترقب يفطن أن التحركات تراعي خطط مرسومة مسبقاً تنفذ حسب مقتضيات الأحداث، فالأمر يحدث بشكل منظم وإن بدت عفوية في ظاهره.
هاهنا اطلاق عنان التفكر لا ضير أن يبلغ النجوم، وأبواب التساؤلات يجب أن تشرع على مصرعيها، حتى يتسنى لشعاع الحقيقة أن يتسلل الى غرف الغايات والمقاصد المظلمة.
***
بداية... بعد إتفاق الطائف توزعت مقدرات الحكم على زعماء الحرب، كلٌ بمقدار دوره، حسبما سجله مقياس «الضحايا والتدمير»، فتقاسموا غنائمها، وحلت هدنة مطولة، وأقاموا سلام زائف، اختفت بعده مظاهر الحرب، كالمحاور وخطوط التماس من المناطق جغرافياً، لتبقى مسجلة تاريخياً، ومترسخة في أذهان من حضرها فكرياً، تاركة  أثر حطامها ودمارها في قرارة أعماق من عايشها، نفسياً وسلوكاً.
ولما أن القسمة كانت غير مرضية لبعض من شاركوا غمار الهيجاء، والتغيير فيها محال، فكان على الجميع ان يرضى بقدره السياسي الآتي.
فَسَادَ الحكم الطائفي والمناطقي، مع غياب لقوى كان لها تاريخ نضالي طويل وحضور على الساحة السياسية قبل نشوء الأحزاب الطائفية الحاكمة.
وبما أن ثقافة الطائفية والعصبية المناطقية غالبة، فإن أي فكر يتعارض معها تلفظه عقول من غاصوا في بحر الطوائف.
فإن الأحزاب والقوى الذي لا تشكل الطائفية قوامها الفكري، التي تنضوي تحت كساء العلمانية، باتت تحت رحمة الأحزاب التي قوامها الطائفية، والطائفية التي هي قوامها الأديان.
فمن البديهي أن تحاول هذه الأحزاب العلمانية التي تهمش دورها، من فرض حضورها واستعادة أمجادها.
ولكن في حال طرحت نفسها بنفس مبادئها الفكرية، فإن مآلها حتماً نحو جدار الرفض المنيع.
فمن الذكاء للخروج من هذه المعضلة أن تطرح نفسها بشكل مغاير وبحلة جديدة، وتحذر من المساس  بقدسية الموروث الطائفي والديني وكل ما يشكل ثوابث مترسبة في اذهان الناس.
... فتصاعدت تدريجياً مقطوعة موسيقية بعنوان (الفساد الشامل) المعزوفة على الآت الحرمان والتجويع ومآسي الحكم الطائفي. فتمايل الناس مع نغماتها واستحسنوها، وطاب سماعها لخلوها من المقامات المحرمة بالنسبة لهم. بعدما سئموا من معازف أهل السياسة التي لطالما آذت آذانهم.
* كإنما العزف يتصاعد من زوايا غرف نضالية كانت تُطرب السماعين قبل منتصف الثمانينات، بعدما حلت مكانها الأناشيد والتواشيح والتراتيل من زوايا المعابد المقدسة



فتكون النتيجة:

عودة الأحزاب المهمشة بمؤازرة المستضعفين، وحمل شعلة الامجاد مرة أخرى.
فتصبح من نسيج السلطة ويَصْدُق مبدأ (من حضر القسمة فليقتسم)
ويبدأ عرض فيلم (الوطن الجديد) بسيناريو معدل لأبطال يتقمصون أدوار أسلافهم، وآخرون من خريجي معهد الثورة..، لتَشْخَص أنظارنا إليهم لعقود قادمة تحت وطأة إجبارية العرض المستمر!!!
... ويظل مبدأ (وما الحكم إلا للشعب) متعذر التحقق!! ويبقى أضغاث أحلام مع كل إستيقاظ مفزع في وطن انعدمت فيه الرؤى.



[1]()  إشارة إلى ألوان العلم اللبناني











ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق